مثلث متساوي الأضلاع!
| د. عبدالله الحواج
صعب أن تتساوى أضلاع المثلث بهذه الدقة، أن يكون التعليم والبحث العلمي على المسافة نفسها من المصلحة العُليا للوطن، وأن تكون المصلحة العُليا على مسافة واحدة من التعليم والبحث العلمي، ودعوني أضيف “سوق العمل”، من هنا اتكأ المشروع الإصلاحي الكبير لحضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم، حفظه الله، على أعمدة ثلاثة لا تُخطئها عين، ولا يجب أن تُخطئها أية عين، وهي: إصلاح التعليم، وإصلاح سوق العمل، وإصلاح الاقتصاد. ولحسن الطالع أنني، منذ أكثر من عشرين سنة، قد شاركت في الاجتماعات التي قادها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد، حفظه الله، وضمت العديد من النخب والشخصيات العامة المعروفة برؤاها، والتي ساهمت بصورة لاقت استحسان سموه ودعمه لأفكارهم حتى ولدت هذه المشاريع الإصلاحية الثلاثة من قلب العقل البحريني المُتَفتّح، ومن عقل القلب الوطني النابض. وها نحن اليوم نبصر بأم أعيننا التحديات التي تواجهنا ليس كبحرين فحسب، إنما كأمة عربية ما زالت تبحث عن شخصيتها المستقلة، وما زالت تحاول حماية هويتها التاريخية وسط هذا الكم الهائل من المتناقضات التي تعيشها، ومن العداءات التي تتعرض لها، ومن أمم لها أطماع واضحة وقوميات شديدة الحساسية من تفوق قوميتنا على المدى الزمني وفي عمق الامتداد الجغرافي، ما زلنا محط أنظار العالم وسنظل، نظرًا لأهميتنا الاستراتيجية في المنطقة، وكنتيجة مباشرة لانحيازنا التاريخي للحق والعدل والذود عن المقدرات من أي معتدٍ آثم وأي طامع عنيد. اكتشفت بعد عشرين سنة من هذه الاجتماعات، وبعد قيام المشاريع الوطنية الإصلاحية الثلاثة، تلك الرؤية العميقة والبصيرة الخلاقة لقادتنا، وأدركت يومًا بعد الآخر أننا نقف خلف قيادة حكيمة وبصيرة بكل ما يمكن أن يحاصرنا ويعرقل مسيرتنا ونحن نحاول الدخول في هذا السباق التكنولوجي العنيد مع الزمن وأي زمن. وأدركت من بين ما أدركت أننا في الجامعة الأهلية، ومنذ ولادة هذا الصرح الحضاري العلمي، أن الجامعات مثلما وردت في المادة الأولى من ميثاق العمل الوطني أنها بحق منارات عِلم وإشعاع ثقافي وحضاري، وأن هذا المشروع الإصلاحي الكبير قد أكد في فصله الأول على ما يلي: “ترعى الدولة العلوم والآداب والفنون، وتـشجع البحث العلمي، كما تكفل الخدمات التعليمية والثـقافية للمواطنين. ويكون التعليم إلزاميًا ومجانيًا في المراحل الأولى التي يحددها ويـبـينها القانون الذي يضع أيضًا خطة للقضاء على الأمية. كما ينظم القانون أوجه العناية بالتربـية الدينية في مختلف مراحل التعليم وأنواعه، ويُعنى فيها جميعًا، بالتربـية الوطنية وبتقوية شخصية المواطن واعتـزازه بوحدته الوطنية وقوميته العربـية. وتعد الجامعات بمثابة منارات للإشعاع الفكري والتـقدم العلمي مما يقـتضي توفير الحرية الأكاديمية لها وضمان ممارسة هذه الحرية وانفـتاحها على آفاق المعرفة، وتعمل الدولة على تـشجيع التعليم الخاص وتأسيس الجامعات والمعاهد الخاصة مع دعم مؤسسات البحث العلمي والتكـنولوجي وربط نظام التعليم بسوق العمل لتلبية حاجات البلاد من القوى البشرية المؤهلة في الحاضر والمستقبل”. منذ ذلك الوقت، وأنا أتابع ما يحدث من تطورات في واقعنا التعليمي الراهن، وفيما يتمخض عنه من بحث علمي، وبمرور الوقت ازداد يقيني وإيماني بضرورة توجيه البحوث العلمية لكي تصبح رهنًا لإشارة المصلحة العُليا للوطن، وأن تصبح جزءا لا يتجزأ من الخطط التنموية للمملكة والرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى. لابد وأن يكون البحث العلمي في خدمة المجتمع، تمامًا مثلما هو التعليم النظامي والكيان الأكاديمي ومراحل الدراسات العُليا، لابد وأن يكون البحث العلمي في ضميره ودستوره الأساسي قائمًا على تعميم الفائدة، وعلى تطبيق النتائج والعمل على تحويلها إلى حقائق واضحة ومشاريع من أجل المستقبل. لا يمكن أبدًا أن تتساوى أضلاع المثلث الوجودي للوطن، وليس في حوزتنا بحوث يمكن أن تحل لنا مشاكلنا في أي قطاع إن وجدت، ولا يصح ولا يستقيم أن يتم توظيف البحث العلمي - “النظري” وليس “التطبيقي” - فقط من أجل البحث العلمي الذي طالما تم توظيفه للحصول على مجرد درجات علمية أكاديمية بحتة، لابد وأن يكون للبحث العلمي دورًا أبعد من ذلك، وأن تكون التقديرات الخاصة بالبحوث مرتبطة بخدمة المجتمع ومدى استفادته من هذه البحوث، بل وينبغي علينا أن نذهب لأبعد من ذلك وأن تكون تقديراتنا للبحوث ودرجاتها العلمية مرتبطة بالقدرة على التطبيق، ولاسيما إذا كنا قادرين على التواصل مع شركاتنا الصناعية الكبرى التي تتولى مسؤولية إنتاج العديد من السلع والمواد التي تدخل في صميم حياتنا الاقتصادية بما فيها دعم الموازنة العامة للدولة، وعلاج المديونيات الصعبة، والدفع بعجلة الإنتاج الوطني والناتج المحلي الإجمالي دائمًا إلى الأمام، وبما يحقق الرفاه والازدهار لهذا البلد العظيم.
*الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية