بين الحب والخُلق.. نلتقي

| د. بثينة خليفة قاسم

سأل المذيع ضيفته في أحد البرامج الحوارية: متى نكبر؟ وبعد تأملٍ عميق، أجابت الضيفة: “نكبر حين نفقد عزيزاً وغالياً.. نكبر حين تخلو حياتنا من الحب. وحتى مع الفقد، فإن الزمن وفطرة الإنسان قد يمنحاننا النسيان، لكن الإنسان الذي يعيش بلا حب هو إنسان شائخ حقاً”، اعترض المذيع قائلاً “ولكن هناك من أماتهم الحب”، فأجابته: “حتى موته حلو، فهو جزءٌ لا تستقيم الحياة بدونه. إنها فطرةٌ ونعمةٌ كبرى من الله عز وجل، والحب حالةٌ إنسانية عظيمة”. يثير هذا الحوار تساؤلات حول ماهية العمر، فهل الشيخوخة حصيلة السنين التي نقضيها على الأرض، أم هي تراكم المشاعر التي يختبرها الإنسان طوال حياته؟ يبدو أن الإجابة تكمن في نوع المشاعر التي يختارها المرء. فالموت حباً، رغم ما يحمله من ألم، يظل أسمى من أن نعيش في ظلال الكره والعداوة والحسد. فالعداوة تستنزف الروح، والحسد يحرق قلب صاحبه، والمرارة تغلق أبواب الحياة. إن من يغرق في هذه المشاعر السلبية يشيخ قبل أوانه، بينما القلب الذي أنهكه الحب يظل مفعماً بالحيوية، لأنه يتنفس من جوهر الطبيعة الإنسانية النبيلة. إن هذه الدعوة ليست مجرد ترفٍ عاطفي، بل هي نداءٌ للارتقاء بمستوى وجودنا الإنساني، ونبذ لأن يكون الحب مجرد شعور عابر، لنجعله نهج حياة. الحب الصادق بين الأهل - الذين هم الملاذ الأول - وبين الأصدقاء الذين نشكل منهم عائلتنا المختارة، وبين الزملاء الذين يشاركوننا أعباء العمل، وبين الأزواج الذين يمثلون السكن والسكينة... يصبح الحب الرابط الذي يعلو بالإنسان فوق تفاهات العالم ومتاهاته. الحب ليس ضعفاً، بل هو شجاعة. أن تحب يعني أن تكون مستعدا للتعرض للألم، لكنك في المقابل تنال حيوية الروح. عليك أن تحسم خيارك، فاختيار غير الحب يعني إعلان الشيخوخة قبل أوانها. عش وأحب لتكون قادراً على مواصلة المسير، قادراً على العطاء، ولتحافظ على ذاك الطفل الكامن في أعماقك. وفي نهاية المطاف، لن يُحاكم المرء بعدد السنين التي عاشها، بل بعدد المرات التي أحب فيها وأدفأ قلوب الآخرين، بكلمة حلوة، بابتسامة، بتذكار، أو حتى رسالة عبر الواتساب... عليك أن تواجه سطوة الكره، وأن تسمح لقلبك بأن يضاء بلهيب الحب، فالحياة أقصر من أن تُهدر في جدالٍ لا طائل منه، وأعمق من أن نقضيها بعيداً عن دفء القلوب الصادقة. 

 

‭*‬كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬بحرينية