إيران وحالة الزهايمر السياسي
| د. نوال الدوسري
في لحظة التوقيع، كانت الذاكرة الإيرانية في أوج صفائها. أربعة عشر بنداً، مصاغة بدقة الفقيه لا بارتجال المفاوض: وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية، احترام متبادل للسيادة، فتح مضيق هرمز، رفع الحصار، إفراج عن أصول مجمدة. كل بند حُفظ عن ظهر قلب، وكل حرف فيه أصبح "شرطاً مسبقاً" لا يقبل التفاوض. المفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، لم يترك مجالاً للبس: خمس مواد بعينها - الأولى والرابعة والخامسة والعاشرة والحادية عشرة - هي مفتاح كل ما بعدها. ذاكرة حديدية، انتقائية، لكنها تعمل بكفاءة حين يتعلق الأمر بما يجب أن تحصل عليه طهران. لكن الذاكرة نفسها تتلعثم حين يصل الحديث إلى الجانب الآخر من المعادلة. لبنان، الذي نصّ البند الأول صراحة على وحدة أراضيه وسيادته ضمن "الوقف الدائم لجميع الجبهات"، لا يزال ساحة اشتباك مفتوحة. المضيق الذي وعدت المذكرة بإعادة فتحه أمام الملاحة الدولية دون قيد، تحوّل إلى ساحة نقاش حول "رسوم طوعية" لم تُطبَّق بعد، لكنها لم تُستبعد أيضاً - وكأن النص ذاته صار مادة قابلة لإعادة القراءة كلما تغيّرت موازين اللحظة. وبين وقف الحرب "الدائم" وبين استمرار الاحتكاك الميداني، تتسع فجوة تحتاج تفسيراً: هل هذا نسيان عارض، أم استراتيجية تفاوض تُبقي كل الأوراق مفتوحة حتى آخر لحظة؟ الإنصاف يقتضي القول إن طهران ليست وحدها من يمارس هذه اللعبة. واشنطن نفسها لم تُخفِ أن الاتفاق "ليس نهائياً"، وتصريحات ترامب عن استئناف الضربات "إذا لم تلتزم إيران بالسلوك القويم" تحمل المرونة ذاتها التي تنتقدها في خصمها. وإسرائيل، التي لم تشارك في صياغة المذكرة، أعلنت صراحة أنها غير ملزمة بها. فإذا كانت طهران تُتَّهم بذاكرة انتقائية، فإن المشهد الإقليمي برمّته يعاني من الحالة نفسها بدرجات متفاوتة: كل طرف يتذكر ما يخدمه، وينسى الباقي إلى حين. الفارق بين مريض الزهايمر الحقيقي وبين هذا النمط من السلوك السياسي أن الأول لا يختار ما ينساه. أما الثاني، فينسى بعناية: يتذكر مليارات الدولار المجمّدة وموعد الإفراج عنها، لكنه يتلعثم أمام سؤال بسيط: متى يتوقف القتال في الجنوب اللبناني فعلياً؟ يتذكر بند الإعفاءات النفطية بالتفصيل، لكنه يتردد في الإفصاح عن التزامات الملف النووي. هذه ليست فجوة إدراكية، بل هندسة تفاوضية تُبقي الالتزامات المُربحة في الواجهة، وتدفع الالتزامات المُكلفة إلى الظل، ريثما تتغير الظروف أو يتغيّر الحساب. وهنا يكمن الخطر الحقيقي على دول الخليج، التي دفعت أثماناً باهظة من هذه الحرب دون أن تكون طرفاً في صياغة تسويتها. فحين تُبنى التفاهمات على نص يمكن تأويله بحسب الحاجة، تتحول "الذاكرة الانتقائية" من مجرد وصف أدبي إلى خطر استراتيجي فعلي: اتفاق يبدو راسخاً على الورق، لكنه هشّ في التطبيق، لأن كل طرف يحتفظ لنفسه بحق "النسيان" عند الاقتضاء. لا علاج لزهايمر السياسة بالمناشدة أو الثقة الحسنة النية، بل بآليات تحوّل الذاكرة الانتقائية إلى التزام قابل للقياس: جداول زمنية محددة لا فقرات فضفاضة، آليات تحقق مستقلة من الخروقات لا تصريحات متبادلة، وربط كل استحقاق مالي أو اقتصادي بخطوة ميدانية موثقة لا بوعد شفهي. فالمذكرة التي وُقّعت في إسلام آباد لن تتحول إلى اتفاق نهائي ملزم بقرار من مجلس الأمن إلا إذا نجحت الأطراف في إغلاق هذه الفجوة بين ما تتذكره حين يناسبها وما تنساه حين يُكلّفها. الدول التي تراقب هذا المشهد من الخليج ليست في موقع المتفرج. فحين يتعلق الأمر بأمن الملاحة في هرمز، وسلامة الأجواء، واستقرار الاقتصاد الإقليمي، لا مجال لانتظار أن "تستعيد" طهران ذاكرتها بمفردها. المطلوب قنوات اتصال تُلزم لا تُذكّر، وتراقب لا تُجامل. عندها فقط يمكن الحديث عن شفاء حقيقي من هذا النمط المتكرر من النسيان الانتقائي - لا عن مجرد هدنة تنتظر النوبة القادمة.