هل نحن أمام محاولة لتغيير هوية المسجد الأقصى؟

| أحمد الفضالة

‭ ‬في‭ ‬زحمة‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬المنطقة،‭ ‬تتسلل‭ ‬قضية‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬إلى‭ ‬هامش‭ ‬الاهتمام‭ ‬الإعلامي‭ ‬والسياسي،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تشهد‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬مراحلها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭. ‬فالمسألة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬اقتحامات‭ ‬المستوطنين‭ ‬المتكررة‭ ‬أو‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الموسمية‭ ‬التي‭ ‬اعتاد‭ ‬العالم‭ ‬سماعها،‭ ‬بل‭ ‬تجاوزت‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬مباشر‭ ‬للمؤسسة‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬حماية‭ ‬المسجد‭ ‬ورعايته،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬تبدو‭ ‬ممنهجة‭ ‬لإضعافها‭ ‬وإفراغها‭ ‬من‭ ‬دورها‭ ‬التاريخي‭.‬

الأرقام‭ ‬التي‭ ‬كشفتها‭ ‬مؤسسة‭ ‬القدس‭ ‬الدولية‭ ‬أخيرًا‭ ‬تثير‭ ‬القلق‭ ‬البالغ‭. ‬فعدد‭ ‬الحراس‭ ‬المناوبين‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬بينما‭ ‬تتواصل‭ ‬إجراءات‭ ‬الإبعاد‭ ‬والمنع‭ ‬والتضييق‭ ‬بحق‭ ‬موظفي‭ ‬دائرة‭ ‬الأوقاف‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬ضغوط‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومعيشية‭ ‬متزايدة‭ ‬دفعت‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬التغيب‭ ‬عنه‭. ‬ويحدث‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتصاعد‭ ‬فيه‭ ‬الاقتحامات‭ ‬والاعتداءات‭ ‬ومحاولات‭ ‬فرض‭ ‬وقائع‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬المسجد‭ ‬المبارك‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬القلق‭ ‬أكثر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬التعتيم‭ ‬الإعلامي‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬يخيّم‭ ‬على‭ ‬أخبار‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭. ‬فتراجع‭ ‬التوثيق،‭ ‬وتعطل‭ ‬المنصات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬وغياب‭ ‬الإحاطات‭ ‬المنتظمة‭ ‬حول‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الجارية،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تتيح‭ ‬للاحتلال‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬للعمل‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬رقابة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭. ‬فالاحتلال‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المكان،‭ ‬وأن‭ ‬إسكات‭ ‬الشهود‭ ‬مقدمة‭ ‬لتغيير‭ ‬الحقائق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬ولعل‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭: ‬ماذا‭ ‬يُراد‭ ‬بالمسجد‭ ‬الأقصى؟

إن‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬بمجمله‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬يتجاوز‭ ‬المضايقات‭ ‬اليومية‭ ‬أو‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأمنية‭ ‬المزعومة،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬تقويض‭ ‬الإدارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬التاريخية‭ ‬للمسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬وإضعاف‭ ‬دور‭ ‬الأوقاف‭ ‬المشرفة‭ ‬عليه،‭ ‬تمهيدًا‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬مشاريع‭ ‬التقسيم‭ ‬والسيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬المكان‭.

لكن‭ ‬الصورة‭ ‬الأوسع‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الاستهداف‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المقدسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬وحدها‭. ‬فالقدس‭ ‬بمساجدها‭ ‬وكنائسها‭ ‬وتراثها‭ ‬الديني‭ ‬المتنوع‭ ‬تواجه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬ضغوطًا‭ ‬متصاعدة‭ ‬تطال‭ ‬هويتها‭ ‬الحضارية‭ ‬بأسرها‭. ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬مرارًا‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬الكنائس‭ ‬والتضييق‭ ‬على‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬المسيحيين،‭ ‬ومنع‭ ‬المصلين‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬عبادتهم،‭ ‬وفرض‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬الاحتفالات‭ ‬والشعائر‭ ‬الدينية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬تتعلق‭ ‬بمحاولة‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬هوية‭ ‬المدينة‭ ‬التاريخية،‭ ‬لا‭ ‬باستهداف‭ ‬فئة‭ ‬دينية‭ ‬بعينها‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُفهم‭ ‬باعتباره‭ ‬قضية‭ ‬إسلامية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬العبادة،‭ ‬وعن‭ ‬حق‭ ‬أتباع‭ ‬الديانات‭ ‬كافة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مقدساتهم‭ ‬وممارسة‭ ‬شعائرهم‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الإقصاء‭ ‬والتمييز‭ ‬والهيمنة‭. ‬فالقدس‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭ ‬طويلة‭ ‬التنوع‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬مدينة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للسلام‭ ‬والتعايش،‭ ‬لا‭ ‬ساحة‭ ‬لفرض‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬ومصادرة‭ ‬الحقوق‭.‬

إن‭ ‬دعم‭ ‬حراس‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬وموظفي‭ ‬الأوقاف،‭ ‬وتعزيز‭ ‬صمود‭ ‬المقدسيين،‭ ‬وكسر‭ ‬حالة‭ ‬الصمت‭ ‬الإعلامي،‭ ‬وتوثيق‭ ‬الانتهاكات‭ ‬المستمرة،‭ ‬كلها‭ ‬خطوات‭ ‬باتت‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الحساسة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬والحقوقية‭ ‬والإعلامية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬والمسيحية‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬القدس‭ ‬ومقدساتها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع‭ ‬أمرًا‭ ‬يصعب‭ ‬تداركه‭.‬

لقد‭ ‬علمتنا‭ ‬تجارب‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬المقدسات‭ ‬لا‭ ‬تُنتزع‭ ‬فجأة،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬خطوات‭ ‬متدرجة‭ ‬تبدأ‭ ‬بإضعاف‭ ‬الحراس،‭ ‬ثم‭ ‬تغييب‭ ‬الشهود،‭ ‬ثم‭ ‬فرض‭ ‬الوقائع‭ ‬الجديدة‭. ‬وما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬يستدعي‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬ومسؤولة،‭ ‬لأن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأقصى‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬القدس،‭ ‬وعن‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬العبادة‭ ‬الحرة،‭ ‬وعن‭ ‬إرث‭ ‬حضاري‭ ‬وإنساني‭ ‬يخص‭ ‬البشرية‭ ‬كلها‭.‬

إن‭ ‬الأقصى‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬التعاطف‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬يقظة‭ ‬دائمة،‭ ‬وإسناد‭ ‬حقيقي،‭ ‬وصوتٍ‭ ‬عالٍ‭ ‬يرفض‭ ‬محاولات‭ ‬عزله‭ ‬أو‭ ‬تهويده‭ ‬أو‭ ‬تغييب‭ ‬قضيته‭ ‬عن‭ ‬الوعي‭. ‬فحين‭ ‬يُترك‭ ‬الأقصى‭ ‬وحيدًا،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬القدس‭ ‬وحدها‭ ‬الخاسرة،‭ ‬بل‭ ‬تخسر‭ ‬الإنسانية‭ ‬كلها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الروحية‭ ‬والحضارية‭.‬

إن‭ ‬القدس‭ ‬ليست‭ ‬حجارةً‭ ‬تُتنازع‭ ‬عليها‭ ‬القوى،‭ ‬بل‭ ‬رسالة‭ ‬حضارية‭ ‬تعاقبت‭ ‬على‭ ‬حمايتها‭ ‬الأديان‭ ‬والشعوب،‭ ‬وأي‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬مقدساتها‭ ‬الإسلامية‭ ‬أو‭ ‬المسيحية‭ ‬هو‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الإنساني‭ ‬المشترك‭. ‬فمعركة‭ ‬القدس‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬معركة‭ ‬على‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهوية‭ ‬والرواية،‭ ‬وعلى‭ ‬حق‭ ‬المؤمنين‭ ‬جميعًا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬بيوت‭ ‬الله‭ ‬مفتوحةً‭ ‬للصلاة‭ ‬والسكينة‭ ‬والسلام‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني