حفظ التراث الوقفي... استثمار في الهوية وصناعة للمستقبل

| أمين عبدالقادر العباسي

‭ ‬يُعدّ‭ ‬التراث‭ ‬الوقفي‭ ‬والعمارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الشواهد‭ ‬الحضارية‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬عمق‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭. ‬فالمباني‭ ‬الوقفية،‭ ‬والمخطوطات،‭ ‬والأنتيكات،‭ ‬والوثائق‭ ‬التاريخية،‭ ‬والأدوات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬من‭ ‬سجلات‭ ‬ومواد‭ ‬البناء‭ ‬أو‭ ‬الأجهزة‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬ضمن‭ ‬تأسيس‭ ‬دور‭ ‬العبادة‭ (‬المساجد‭) ‬وغيرها،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مقتنيات‭ ‬قديمة‭ ‬أو‭ ‬معالم‭ ‬أثرية‭ ‬صامتة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ذاكرة‭ ‬أمة‭ ‬وسجل‭ ‬حيّ‭ ‬لمسيرة‭ ‬العطاء‭ ‬والتنمية‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭.‬

إن‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬تمثل‭ ‬مسؤولية‭ ‬ثقافية‭ ‬وحضارية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الترميم‭ ‬والحفظ‭ ‬المادي،‭ ‬لتشمل‭ ‬توثيق‭ ‬التاريخ‭ ‬وتدوين‭ ‬سيرة‭ ‬رواد‭ ‬العمل‭ ‬الوقفي‭ ‬والنظارة‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬الدور‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬الأوقاف‭ ‬وإدارتها‭ ‬وتنميتها‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭. ‬فهؤلاء‭ ‬الرواد‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬التعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والخدمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعلمية،‭ ‬وشكّلوا‭ ‬نموذجًا‭ ‬فريدًا‭ ‬للتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬المفاهيم‭ ‬الحديثة‭ ‬للعمل‭ ‬المؤسسي‭ ‬والخيري‭. ‬ولا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬التدوين‭ ‬التاريخي‭ ‬بوصفه‭ ‬عملًا‭ ‬أدبيًّا‭ ‬أو‭ ‬توثيقيًّا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬وسيلة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لحفظ‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وصون‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬النسيان‭. ‬فتوثيق‭ ‬التجارب‭ ‬الوقفية‭ ‬الناجحة،‭ ‬ورصد‭ ‬مراحل‭ ‬تطور‭ ‬النظارة‭ ‬وإدارة‭ ‬الأوقاف،‭ ‬وإبراز‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬بصماتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬معرفية‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬ويمنح‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬نماذج‭ ‬ملهمة‭ ‬تستلهم‭ ‬منها‭ ‬قيم‭ ‬البذل‭ ‬والعطاء‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المجتمعية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬إنشاء‭ ‬متحف‭ ‬متخصص‭ ‬للوقف‭ ‬والتراث‭ ‬الإسلامي،‭ ‬يضم‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬والصور‭ ‬والمخطوطات‭ ‬والأنتيكات‭ ‬والمقتنيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحركة‭ ‬الوقفية‭. ‬ويهدف‭ ‬هذا‭ ‬المتحف‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬الزوار‭ ‬تاريخ‭ ‬الوقف‭ ‬ودوره‭ ‬الحضاري،‭ ‬وإبراز‭ ‬إسهامات‭ ‬رواد‭ ‬العمل‭ ‬الوقفي‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬ازدهار‭ ‬المجتمعات‭ ‬وتنمية‭ ‬مؤسساتها‭. 

ومع‭ ‬التطور‭ ‬الرقمي‭ ‬المتسارع،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المتحف‭ ‬التقليدي‭ ‬وحده‭ ‬كافيًا‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬المستهدف،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬إطلاق‭ ‬متحف‭ ‬افتراضي‭ ‬متكامل‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت،‭ ‬يتيح‭ ‬للزوار‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬التجول‭ ‬بين‭ ‬أروقته‭ ‬وقاعاته‭ ‬بطريقة‭ ‬تفاعلية‭ ‬حديثة‭. ‬ويمكن‭ ‬للزائر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المتحف‭ ‬الرقمي‭ ‬استكشاف‭ ‬المعروضات،‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية،‭ ‬والتعرف‭ ‬إلى‭ ‬الشخصيات‭ ‬الوقفية‭ ‬الرائدة،‭ ‬والاستمتاع‭ ‬بتجربة‭ ‬معرفية‭ ‬وثقافية‭ ‬ثرية‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭.‬

إن‭ ‬المتحف‭ ‬الافتراضي‭ ‬لا‭ ‬يوسّع‭ ‬دائرة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يساهم‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬بالتراث‭ ‬الوقفي‭ ‬لدى‭ ‬الشباب‭ ‬والأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬مادة‭ ‬حية‭ ‬وممتعة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتفاعل‭. ‬كما‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقًا‭ ‬جديدة‭ ‬للتعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والسياحة‭ ‬الثقافية،‭ ‬ويعزز‭ ‬حضور‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬العالمي‭.‬

إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭ ‬الوقفي‭ ‬وتوثيق‭ ‬تاريخه‭ ‬وتطوير‭ ‬وسائل‭ ‬عرضه‭ ‬التقليدية‭ ‬والرقمية‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬والذاكرة‭ ‬والمستقبل‭. ‬فالأمم‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬تاريخها‭ ‬وتُعرّف‭ ‬به‭ ‬بصورة‭ ‬عصرية‭ ‬ومبتكرة،‭ ‬هي‭ ‬الأمم‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬حاضرها‭ ‬بثقة‭ ‬وصناعة‭ ‬مستقبلها‭ ‬برؤية‭ ‬راسخة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬إرث‭ ‬حضاري‭ ‬عريق‭ ‬وقيم‭ ‬إنسانية‭ ‬خالدة‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني