خلف الزجاج البارد والعزلة في زمن الشاشات.. قلوب مغتربة وتحول المشاعر إلى نقرات!

| د. سهيلة آل صَفَر

‭ ‬هل‭ ‬قتلت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الصداقة‭ ‬الحقيقية؟‭! ‬وأصبح‭ ‬خداع‭ ‬الوفرة‭ ‬الرقمية‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬أناس‭ ‬لا‭ ‬نعرفهم،‭ ‬حينما‭ ‬نستبدل‭ ‬الأصدقاء‭ ‬كما‭ ‬نستبدل‭ ‬الهواتف؟‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عنوان‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬طويلاً،‭ ‬ويحضرني‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العناوين‭ ‬لما‭ ‬يعيشه‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬وكيف‭ ‬حولت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬النبيلة‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬وإحصائيات‭! ‬وكيف‭ ‬سمحنا‭ ‬لها‭ ‬بأن‭ ‬تحدد‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬الصديق،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يهتم‭ ‬بمشاعرنا‭ ‬لأنهم‭ ‬قليلو‭ ‬التواصل،‭ ‬وأن‭ ‬نثق‭ ‬بمن‭ ‬نعتبرهم‭ ‬أصدقاء‭ ‬مقربين‭ ‬لأنهم‭ ‬يمطروننا‭ ‬بالتعليقات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬المنافقة‭! ‬وكيف‭ ‬أصبح‭ ‬تجاهل‭ ‬الشريك‭ ‬أو‭ ‬الصديق‭ ‬لحساب‭ ‬الهاتف‭.. ‬حينما‭ ‬نجلس‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬أشخاص‭ ‬ونرى‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ ‬يتفحص‭ ‬هاتفه‭ ‬كل‭ ‬دقيقة‭ ‬ويعبث‭ ‬به،‭ ‬فهو‭ ‬يرسل‭ ‬لوعيك‭ ‬رسالة‭ ‬خفية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي‭ ‬أهم‭ ‬منك‭.. ‬ما‭ ‬يضطر‭ ‬الآخر‭ ‬إما‭ ‬إلى‭ ‬لفت‭ ‬نظر‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬بتعليق‭ ‬أو‭ ‬الابتعاد‭.‬

في‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬الصداقة‭ ‬تُقاس‭ ‬بالمواقف‭ ‬والوقت‭ ‬الذي‭ ‬نقضيه‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬المحادثات‭ ‬وما‭ ‬فعلناه‭ ‬في‭ ‬الأيام،‭ ‬وننصت‭ ‬بالعيون‭ ‬والآذان‭ ‬ونتفاعل‭ ‬بالنصح‭ ‬أو‭ ‬اللوم‭ ‬عما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭.. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الصداقة‭ ‬سطحية‭ ‬وتُقاس‭ ‬بـ‭ (‬الإعجاب‭) (‬like‭) ‬أو‭ ‬تعليق‭ ‬سريع‭. ‬وأعطتنا‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وهم‭ ‬الاتصال‭ ‬الإلكتروني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحضور‭ ‬الإنساني؛‭ ‬فإذا‭ ‬تأخر‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬الرد‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يضع‭ ‬إعجابًا‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬اعتبره‭ ‬البعض‭ ‬تجاهلاً،‭ ‬بينما‭ ‬سلبتنا‭ ‬عمق‭ ‬التواصل‭. ‬وأصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬يملك‭ ‬آلاف‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الوهميين‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التيك‭ ‬توك،‭ ‬الإنستغرام،‭ ‬والفيسبوك،‭ ‬وإنتاج‭ ‬وفرة‭ ‬رقمية‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬الجميلة؛‭ ‬فنحن‭ ‬نعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يأكلون،‭ ‬وأي‭ ‬مطاعم‭ ‬فخمة‭ ‬يرتادون،‭ ‬أو‭ ‬ماذا‭ ‬يلبسون‭ ‬وأين‭ ‬يسافرون،‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬معرفة‭ ‬نفسياتهم‭ ‬وطباعهم‭ ‬من‭ ‬التعب‭ ‬والمرض‭ ‬أو‭ ‬مخاوفهم‭. ‬واغترب‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المجالسة‭ ‬الجسدية‭ ‬التي‭ ‬تضيف‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬والنضج‭ ‬في‭ ‬الحوارات‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬بين‭ ‬الجالسين،‭ ‬والتي‭ ‬تختلف‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬الرقميات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬في‭ ‬المحادثات‭ ‬المخفية‭ ‬وراء‭ ‬الشاشات،‭ ‬والتي‭ ‬يغيب‭ ‬عنها‭ ‬الدفء‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬ينتهي‭ ‬بمجرد‭ ‬إغلاق‭ ‬الشاشة‭!‬

وما‭ ‬أراه‭ ‬بأن‭ ‬سبب‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬والصداقات‭ ‬الوهمية‭ ‬هو‭ ‬الإدمان‭! ‬فقد‭ ‬خلقت‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬سلوكًا‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬غريبًا‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ (‬phubbing‭) ‬وهو‭ (‬تجاهل‭ ‬الشريك‭ ‬أو‭ ‬الصديق‭ ‬لحساب‭ ‬الهاتف‭). ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يغتال‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬بالأمان‭ ‬والحميمية،‭ ‬ويجعل‭ ‬المحادثات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الإنسانية‭ ‬مبتورة‭ ‬وباردة،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬ابتعاد‭ ‬الناس‭ ‬والعوائل‭ ‬عن‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض،‭ ‬حيث‭ ‬حولتهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬كائنات‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الدفء‭ ‬في‭ ‬حرارة‭ ‬بطاريات‭ ‬هواتفها‭. ‬فالتقارب‭ ‬الجسدي‭ ‬والحضور‭ - ‬كما‭ ‬ذكرت‭ - ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬ترسيخ‭ ‬العلاقات‭ ‬الحميمة‭ ‬وتقويتها‭. ‬وإن‭ ‬هذا‭ ‬التباعد‭ ‬الجسدي‭ ‬السطحي‭ ‬ولد‭ ‬نوعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬المرض‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والفراغ‭ ‬الداخلي‭ ‬مع‭ ‬التفاعلات‭ ‬الرقمية‭.. ‬ليجد‭ ‬المرء‭ ‬نفسه‭ ‬حينما‭ ‬يستيقظ‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬اليوم‭ ‬وحيدا‭ ‬تماما؛‭ ‬فهذا‭ ‬الفراغ‭ ‬يتعمق‭ ‬بسبب‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستعراض،‭ ‬فالكل‭ ‬ينشر‭ ‬الجانب‭ ‬المضيء‭ ‬واللوحات‭ ‬المثالية‭ ‬من‭ ‬تحركاته‭ ‬الوهمية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الفرد‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬حياته‭ ‬ناقصة،‭ ‬فيدخل‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬من‭ ‬المقارنة‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬غربته‭ ‬الداخلية‭ ‬وتقلل‭ ‬رضاه‭ ‬النفسي‭. ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الحلول‭ ‬لمحاولة‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الناقصة‭ ‬والغربة‭ ‬والوحدة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وتحويل‭ ‬الاتصال‭ ‬الرقمي‭ ‬إلى‭ ‬تواصل‭ ‬جسدي‭.. ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬أطيل‭ ‬عليكم،‭ ‬سأحاول‭ ‬الإجابة‭ ‬وطرح‭ ‬بعض‭ ‬الحلول‭ ‬في‭ ‬المقالة‭ ‬القادمة‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭.‬

 

‭*‬طبيبة‭ ‬وكاتبة‭ ‬ونحاتة‭ ‬تشكيلية‭ ‬بحرينية