الهواتف في سباق مع الزلازل لإنقاذ الأرواح
| ياسر سليم
في لحظة واحدة، انطلق نواحٌ إلكتروني متزامن من 11.4 مليون هاتف ذكي عبر فنزويلا، يرسم على شاشاتها لونًا أحمر ينذر بالخطر. هذه الصرخة الجماعية كانت سباقا محموما مع الزمن، إذ لم تفصلها عن زلزالين هائلين تجاوزت قوتاهما سبع درجات سوى ثوانٍ معدودة. في هذا الفارق الزمني الضئيل وجد ملايين البشر نافذتهم الوحيدة للفرار قبل أن تهتز الأرض تحت أقدامهم في واحدة من أعنف الهزات التي عرفتها البلاد منذ مطلع القرن الماضي. سر هذا الإنقاذ الرقمي يكمن في منظومة ابتكرتها “جوجل” تحمل اسم “إنذارات أندرويد للزلازل”، وتستثمر أداة متواضعة تنام في جيب كل واحد منا: مستشعر التسارع، ذلك الجهاز الصغير الذي يرصد عادة دوران الشاشة وحركة الهاتف. حين يثور باطن الأرض تنطلق عادة موجات أولية سريعة تُعرف بـ “الموجات P”، خفيفة الوطأة بحيث لا يحس بها جلد الإنسان، لكن مستشعرات الهواتف الساكنة تلتقط نبضها المبكر وترسلها فورا إلى خوادم الشركة السحابية. هكذا تتحول ملايين الأجهزة المتناثرة إلى شبكة رصد عملاقة، تضخ سيلًا من البيانات في الزمن الحقيقي. ثلاث ثوانٍ كفيلة بالتقاط الموجة الأولى، تتبعها ست ثوانٍ لتحليلها والتيقن من خطورتها، ثم تنطلق التحذيرات. وكلما ازدحمت المنطقة بالسكان، اتسعت دقة النظام وقوته، وهو ما تجلى في فنزويلا وقبلها الفلبين، حينما تداخلت موجات الزلزالين، فقرأهما النظام كحدث واحد ضخم، فأطلق مستويات متدرجة من الإنذار، أبرزها تحذير “اتخذ إجراء” الذي وصل إلى نحو 1.4 مليون شخص آمرا إياهم بالاحتماء فورا. تقوم فلسفة هذه التقنية على استثمار الفجوة الزمنية بين الموجات الأولية الخاطفة والموجات الثانوية المدمرة التي تعقبها. ومن سخرية الجغرافيا أن البعيدين عن مركز الزلزال يحظون بفرصة نجاة أوفر، إذ تمنحهم المسافة هدية من الثواني الإضافية قبل وصول الموجة العنيفة، بينما يذوب هذا الهامش الزمني إلى ما يقارب الصفر عند القريبين من بؤرة الانفجار الأرضي. انطلقت هذه المنظومة بالعام 2021 في عدد محدود من الدول، ثم اتسعت رقعتها لتشمل اليوم أكثر من 98 دولة، من بينها البحرين، التي تحتضن مراكز حوسبة سحابية فائقة، علاوة على توافرها بغالبية الدول العربية. وبفضل سيطرة نظام “أندرويد” على نحو 70 % من سوق الهواتف عالميا، باتت الشبكة قائمة على أكثر من ملياري جهاز، فقدّمت بديلًا عبقريًا عن إنشاء آلاف محطات الرصد الزلزالي الباهظة التكلفة. يصف خبراء إدارة الكوارث هذه التقنية بأنها أعادت تعريف مفهوم السلامة العامة في وجه الكوارث الطبيعية. وصحيح أن حصر عدد الأرواح التي نجت بفضلها أمر بالغ الصعوبة، إلا أن ثواني الاسترجاع، أو الابتعاد عن النوافذ، أو الاحتماء تحت أثاث متين، كثيرًا ما تكون الخط الفاصل بين النجاة والإصابة البالغة حين تميد الأرض.
*كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي