صمتُ النُّصوص وصوتُها!
| كمال الذيب
عندما درسنا في ثمانينيات القرن الماضي مناهج النقد الأدبي وتياراتها المختلفة في خضم التصورات التي ميزتها آنذاك، كانت الاتجاهات النقدية الجديدة: البنيوية، والأسلوبية، وغيرها، قد انتشرت على نطاق واسع في الفضاء الجامعي، حتى أن الاتجاهات النقدية التي كانت حديثة في زمنها، كالتفسير الاجتماعي للأدب، والتفسير النفسي، والتفسير التاريخي، غدت آنذاك قديمة مستهلكة. ثم ظهرت اتجاهات نقدية جديدة، ترفض نسبة النص إلى مبدعه، وأصبح تحليل النص الأدبي مقتصرًا على تحليل (النّص) وحده، من دون التعرض لعلاقته بمنتجه، أو بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحتضنه. ويحصر الناقد جل همّه في تحليل (وحدات) النّص، و(بنياته) الداخلية الدّالة، وعلاقاتها ببعضها البعض. إلا أن نظرية التّلقي كانت الأكثر إغراء في مجال النقد الأدبي لأنها تقوم على تحويل الاهتمام النقدي من المؤلف والنص الأدبي إلى المتلقي، لأن فهم النص الأدبي وتأويله لا يتم إلا بواسطة الدور الذي ينهض به القارئ في هذه العملية، والتي تعتبر أقرب إلى إعادة إنتاج للنص، دون أن يعني ذلك إقصاء المناهج النقدية السابقة، بل استثمارها وتجاوزها في الوقت ذاته، ويمكننا بذلك التمييز بين العمل الإبداعي الذي أنتجه الكاتب، والعمل الذي يعيد إنتاجه القارئ، من دون أن تكون إعادة الإنتاج متطابقة مع النص، ولا مع رؤية الكاتب، فلا تطابق بالضرورة بين النصين: نص المبدع ونص القارئ (الناقد)، وذلك لأن النّص الأصلي، لا يتحقق في حالة استقلاله (أو صمته)، بل يتحقق من خلال استنطاق القارئ له، لأن النص لا تدب فيه الحياة، إلا عندما يكون موضوعاً للإدراك والتحليل.
ولكن عملية التلقي ليست حكرًا على القارئ وحده، بل هي عملية مشتركة بين الكاتب الذي يتعمد ترك “فجوات” أو “مساحات صمت” داخل النص عمدا، دون تفسير. فالقارئ - أو الناقد - يقوم بملء الفجوات التي تركها الكاتب بناءً على خياله وثقافته وذوقه، وخبراته السابقة. فكلاهما يمارس هذه الوظيفة بطريقته الخاصة، مستخدمًا أدواته المعرفية والجمالية والأدبية، إنما يختلفان من حيث الموقع، فالقارئ يأخذ موقعه خلف النص بينما يأخذ الكاتب موقعه قبل النص، ما يجعل العملية نشاطًا تفاعليًّا مشتركًا، يعيد إنتاج النص ويمنحه حياة جديدة.
كاتب وإعلامي بحريني