“أوقفوا المباريات... واسألوا العراف أولاً!!”

| أحمد كريم

في‭ ‬كأس‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬الناس‭ ‬بالمدربين‭ ‬والمحللين‭ ‬والإحصائيات‭. ‬فجأة‭ ‬يظهر‭ ‬“العراف”،‭ ‬و”المنجم”،‭ ‬و”الأخطبوط”،‭ ‬و”القط”،‭ ‬وكل‭ ‬كائن‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يعرف‭ ‬نتيجة‭ ‬المباراة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يطلق‭ ‬الحكم‭ ‬صافرة‭ ‬البداية‭! ‬يا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬تجتاح‭ ‬الكوكب؛‭ ‬الجميع‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتوقع،‭ ‬وكأن‭ ‬الكرة‭ ‬أصبحت‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يُسأل‭ ‬عن‭ ‬النتيجة‭!!‬

بالأمس،‭ ‬أرسل‭ ‬لي‭ ‬أحد‭ ‬الأصدقاء‭ ‬تصريحًا‭ ‬للعراف‭ ‬الغاني،‭ ‬يؤكد‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الرأس‭ ‬الأخضر‭ ‬ستقصي‭ ‬الأرجنتين‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬الـ32‭! ‬قرأت‭ ‬الرسالة،‭ ‬ثم‭ ‬ضحكت‭ ‬من‭ ‬أعماقي،‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬ما‭ ‬أرد‭ ‬به‭ ‬سوى‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭: ‬“عشم‭ ‬إبليس‭ ‬في‭ ‬الجنة‭!!‬”

لكن‭ ‬تخيلوا‭ ‬معي‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬تنبأ‭ ‬بالعكس،‭ ‬وقال‭ ‬إن‭ ‬الأرجنتين‭ ‬ستفوز‭. ‬هل‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬سيلتفت‭ ‬إليه؟‭ ‬بالطبع‭ ‬لا‭. ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬التوقعات‭ ‬المنطقية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬“المفاجآت”،‭ ‬وعن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يكسر‭ ‬المألوف‭ ‬ويشعل‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬“الكوميديا‭ ‬السوداء”‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬التحليل‭ ‬الرياضي‭!‬

وفق‭ ‬مفاهيم‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬هل‭ ‬تملك‭ ‬الرأس‭ ‬الأخضر‭ ‬فرصة‭ ‬أمام‭ ‬الأرجنتين؟‭ ‬نعم،‭ ‬تملك،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يلغي‭ ‬ذلك‭. ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬فرقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بين‭ ‬وجود‭ ‬فرصة،‭ ‬وبين‭ ‬بناء‭ ‬توقع‭ ‬كامل‭ ‬عليها‭! ‬فالنتائج‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬وحتى‭ ‬أكبر‭ ‬مفاجآت‭ ‬المونديال‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬معطيات،‭ ‬وتنظيم،‭ ‬وشجاعة،‭ ‬وأخطاء‭ ‬منافس،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬تتراكم‭ ‬حتى‭ ‬تصنع‭ ‬الحدث‭.‬

أنا‭ ‬مؤمن‭ ‬بـ”المفاجآت”،‭ ‬وأجدها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬أسرار‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭. ‬لكنها‭ ‬عندما‭ ‬تحدث‭ ‬داخل‭ ‬المستطيل‭ ‬الأخضر،‭ ‬تكون‭ ‬نتيجة‭ ‬لأسباب‭ ‬حقيقية،‭ ‬لا‭ ‬لتكهنات‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬فارغة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الضجيج‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬نرسم‭ ‬سيناريو‭ ‬مباراة‭ ‬كاملة‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬عنصر‭ ‬المفاجأة‭ ‬وحده،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬نسبح‭ ‬عكس‭ ‬المنطق‭... ‬ولسنا‭ ‬“سمك‭ ‬السلمون”‭ ‬هنا‭!!‬

على‭ ‬كل‭ ‬حال،‭ ‬لست‭ ‬ضد‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬ساذجة؛‭ ‬فهي‭ ‬تضيف‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬الطرافة‭ ‬إلى‭ ‬أجواء‭ ‬المونديال‭. ‬لكنني‭ ‬ضد‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬مطلقة،‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬قراءة‭ ‬كروية‭ ‬كاملة‭ ‬عليها‭. ‬فقد‭ ‬سقطت‭ ‬“نبوءة‭ ‬كابتن‭ ‬ماجد”‭ ‬أمام‭ ‬البرازيل،‭ ‬وغدًا‭ ‬قد‭ ‬يسقط‭ ‬توقع‭ ‬العراف‭ ‬الغاني‭ ‬أيضًا‭. ‬ففي‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬أفواه‭ ‬“العرافين”‭... ‬بل‭ ‬من‭ ‬أقدام‭ ‬اللاعبين‭!!‬