عندما تفقد “المعارضة” بوصلتها الأخلاقية
| محمد بوعيدة
تظل العلاقة بين المعارضة السياسية أو الفكرية من جهة، ومنظومة الأخلاق والسلوك من جهة أخرى، واحدة من أكثر القضايا الجدلية التي تطفو على سطح النقاشات العامة في مجتمعاتنا المعاصرة. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون المعارضة أداة حضارية لتقويم الانحراف، وتصحيح الأخطاء، وتقديم البدائل التنموية والفكرية الأفضل، يرى الكثير من المراقبين أن خطاب المعارضة ينزلق أحيانًا إلى فخ “شخصنة الصراع” وتجاوز حدود اللياقة، ليتحول من نقد بناء إلى تطاول و”سلاطة لسان”. هذا التحول الخطير يثير تساؤلا جوهريًّا وهو متى تتحول المعارضة من قوة تصحيحية إلى ظاهرة هدم أخلاقي؟ وكيف يؤثر غياب “الأدب السياسي” على القضايا العادلة؟ إن المعارضة الحقيقية في جوهرها هي اشتباك فكري راقٍ مع المنهج، أو القرار، أو السياسة المتبعة، وليست بأي حال من الأحوال اشتباكًا مع شخوص صناع القرار. وهنا يبرز الفارق الشاسع بين خطابيْن: خطاب المعارضة الرصينة، وهي التي تركز على الحجة، والبيّنة، والقرائن، مستخدمة لغة موضوعية وصارمة تفكك الخطأ وتهدف إلى الإصلاح. وخطاب التجاوز السلوكي، ويبدأ تحديدًا عندما يعجز المعارض عن تفنيد الفكرة المقابلة بالأدلة، فيلجأ إلى “شخصنة” الصراع، مستعينًا بالألفاظ النابية، أو السخرية الجارحة، والهمز واللمز، وهو ما يفسر شعبيا بـ “قلة الأدب”. في قراءة سيكولوجية وسياسية لظاهرة “طول اللسان”، نجد أنها في كثير من الأحيان ليست دليلًا على القوة، بل هي انعكاس صارخ لحالة من العجز الفكري والسياسي. عندما يفتقر المعارض أو التيار المعارض إلى مشروع حقيقي، أو برنامج عملي مقنع ومنافس، فإنه يعمد غريزيًّا إلى تعويض هذا النقص المعرفي برفع نبرة الصوت، واستخدام لغة صادمة ومستفزة لجذب الانتباه أو لاستدراج الطرف الآخر إلى مستنقع المهاترات، وهؤلاء يتوهمون خطأً أن القوة تكمن في “اللسان السليط” لا في المنطق السديد.
من جانب آخر، ثمة خلط شائع وخطير في الفضاء العام بين “الجرأة السياسية” وبين “عدم الاحترام”، فالجرأة هي قول كلمة الحق في وجه الخطأ بشجاعة وأدب، ودون مواربة، أما التجاوز الأخلاقي فهو التعدي على الخصوصيات، والحط من كرامة المخالف، وتصفية الحسابات الشخصية. إن بعض التيارات المعارضة تتبنى ثقافة متمردة مشوهة، تعتقد من خلالها أن كسر “هيبة” الطرف الآخر أو إسقاطه لا يتم إلا بإهانته وتجريحه؛ وهي لعمري أقصر الطرق لخسارة المعارضة قيمتها الأخلاقية والإنسانية قبل السياسية. إلى ذلك، لا يمكن عزل هذا الانحدار اللغوي عن البيئة الرقمية الحاضنة له؛ فقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعزيز هذه الظاهرة بشكل جنوني. تحول الشتم والتطاول في الفضاء الافتراضي إلى “بضاعة رائجة” ووسيلة سريعة لحصد التفاعل الرقمي من نقرات إعجاب ومشاركات. هذا المناخ الرقمي المسموم صوّر للمتابع البسيط أن المعارض الأكثر شتيمة وبذاءة هو الأكثر إخلاصًا وقوة في الدفاع عن قضيته، بينما الحقيقة العلمية والتاريخية تؤكد أن الاحترام المتبادل هو الأساس الوحيد لأي حوار مجتمعي مثمر. عندما يتبنى أي معارض أسلوبًا يفتقر إلى الأدب واللياقة، فإنه في واقع الأمر يطلق الرصاص على قضيته من حيث لا يشعر، ويحقق خصومه انتصارًا مجانيًّا بسببه، وذلك من خلال ثلاثة آثار كارثية: “فقدان المصداقية”، حيث ينفر العقلاء، والنخب، والجمهور المحايد (وهو الكتلة الحرجة التي تسعى المعارضة لكسبها عادة) من أي خطاب هابط وبذيء. و”تحويل بوصلة الصراع”، إذ يتحول النقاش العام بفعل الشتائم من “قضية وطن، أو فكرة تنموية، أو تشريع قانوني إلى مجرد “مشاجرة كلامية” تافهة. و”منح الذريعة المجانية”، حيث يمنح هذا الأسلوب الفج الطرف الآخر (الجهة المُنتَقَدة) مبررًا ذهبيًّا لتجاهل الانتقادات برمتها، وإغلاق باب الحوار بحجة أنها مجرد “تطاول شخصي” وليست نقدا بناء يستحق الرد. إن المعارضة قيمة حضارية سامية ودليل عافية في أي مجتمع حيوي، و”الأدب” في هذا السياق ليس قيدًا يكبل حرية التعبير أو يقلل سقفها، بل هو الوعاء الأخلاقي الذي يحمي الفكرة ويمنحها القبول والشرعية. قد يصنع “طول اللسان” ضجيجًا مؤقتًا، وظاهرة صوتية عابرة، لكن “طول النفس” وعمق الفكرة ورقي العبارة هي الأدوات الوحيدة الكفيلة بصناعة التغيير الحقيقي وإقناع الشعوب، فالقوة - دائمًا وأبدًا - تكمن في متانة المنطق، لا في جرح المشاعر وهتك الكرامات.
كاتب بحريني