من “الصبيخة” إلى معترك الحياة: كيف صنعت ورش النجارة ومصانع السبعينيات رجال الخُبر؟
| خالد عبدالله المرباطي
في الوقت الذي يغط فيه جيل اليوم في نوم عميق يمتد حتى الظهر، ويقضي ليله ساهرًا خلف شاشات الهواتف الذكية في عطلة صيفية مفرغة من المعنى، تعود بي الذاكرة أكثر من خمسين عامًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى حواري مدينة الخبر؛ المدينة التي تأسست قبل نحو قرن من الزمان، وانقسمت حينها إلى عالمين متمايزين: الخبر الشمالية حيث يقطن بها التجار غالبًا، والخبر الجنوبية - الصبيخة - التي ولِدت فوق أرض سبخة على ساحل الخليج العربي، حيث تنبض الحياة بعرق الفئة الكادحة وطموح أبنائها. هناك، في “الصبيخة”، عشت فصول طفولتي، وشبابي، ورجولتي كاملة. ولم تكن الإجازة الصيفية لدينا ترفًا أو وقتًا مستقطعًا للراحة، بل كانت فصلًا جديدًا من فصول بناء الرجولة والاعتماد على النفس. “الورشة السعودية”.. المهد والملاذ بدأت حكايتي مع العمل مبكرًا جدًّا. كان والدي – رحمه الله – يمتلك ورشة نجارة تحمل اسمًا يفيض بالاعتزاز: “الورشة السعودية”، تقع في شارع الملك سعود بالخبر الشمالية. أذكر نفسي طفلًا لم يتجاوز الثلاث سنوات (1963) وأنا ألهو بين نشارة الخشب ورائحة الصنوبر في تلك الورشة. كبرت وتعلّمت فيها مبادئ النجارة، وصار يومي مقسومًا بنظام صارم: الصباح للمدرسة، ومن بعد العصر حتى أذان العشاء عمل متواصل في الورشة. لم ينقذني من هذا الجدول الحديدي سوى رحيلي إلى الرياض للالتحاق بالدراسة الجامعية. لكن المفارقة أننا – نحن أبناء الفئة الكادحة – كنا نرى في ورش آبائنا نوعًا من “الاستبداد” الطفولي، وللأمانة، كان دافعنا الأكبر للبحث عن وظائف صيفية في شركات أخرى هو الهروب من ورشة الوالد!
رحلة السبعينيات: من مصانع “البيبسي” إلى تكييف “أرامكو” فتحت لنا الطفرة الاقتصادية في السبعينيات أبوابًا لمعترك الحياة الحقيقي. في صيف عام 1975: التحقت بالعمل في مصنع “بيبسي القصيبي” بنظام الشفتات، وكان الراتب حينها 600 ريال، وهو مبلغ جعلنا نشعر بقيمة الجهد والمال. في صيف عام 1976: انتقلت للعمل في شركة مقاولات داخل مجمع مساكن “أرامكو”، حيث كنا نقوم بتمديد التكييف المركزي براتب 800 ريال. في صيف عام 1977: زادت قسوة التجربة ومعها زاد الصبر؛ حيث عملت في شركة مقاولات تبني لأرامكو مبنى مقابل “معرض الزيت” آنذاك. بوظيفة حارس نهاري وكان الدوام يمتد لـ 12 ساعة كاملة، من 6 صباحًا حتى 6 مساءً، براتب 1500 ريال. في صيف 1978: كنت مشرفًا على عمال بناء بمدينة الخبر في الفترة الصباحية براتب 2500 ريال. لم يكن هناك مكان للعب العشوائي أو تضييع الوقت. كانت حياتنا تتأرجح بحزم بين مقاعد الدراسة وميدان الورش والمصانع. ولم يكن والدي يعاملنا وحدنا بهذا الحزم، بل كان في الستينيات يُشغل أبناء أصحابه في ورشته صيفًا مقابل رواتب مجزية، انطلاقًا من حكمة مجتمعية راسخة تقول: “الأبناء الذكور إن لم تشغلهم في الصيف.. شغلوك! وكذلك أبناء التجار كانوا يتواجدون في متاجر آبائهم للعمل واكتساب الخبرة.
فيمتو “العصاري” وهندسة التجارة الصيفية على الرغم من جديّة الحياة، لم نعدم الحيلة في خلق الفرص الاستثمارية بذكاء وفطرة بريئة. في بعض أيام “العصاري”، كانت تقام مباريات كرة قدم حماسية بين فرق الحواري على ساحل البحر. وعندما يكون فريق “العاصفة” (وهو فريق الجالية اليمنية آنذاك) طرفًا في المباراة، يكتظ الساحل بحضور جماهيري غفير. هنا كانت تلمع في رأسي فكرة تجارية: أشتري زجاجة “فيمتو”، وأصنع منها شرابًا باردًا ومثلجًا، ثم أذهب به إلى الساحل لأبيعه للمتفرجين العطاشى تحت لهيب الصيف. كانت الأرباح تصل إلى نحو 400 %، وتعلّمت من تلك الزجاجة البسيطة كيف تقتنص الفرص، وكيف تصنع من الحاجة مشروعًا ناجحًا.
دعوا عنكم الدلال الزائد: الوطن يريد رجالاً يتحملون المسؤولية اليوم، وأنا أنظر إلى واقع البيوت، أتحسر على إجازات صيفية تضيع هباءً بين السهر العقيم والنوم المفرط والدلال الزائد والخوف المبالغ فيه من بعض الآباء على أبنائهم. إن وجهة نظري التي كانت ترى في حزم الآباء قديمًا “استبدادًا”، تحولت اليوم إلى امتنان عميق؛ فلولا تلك الخشونة وتلك الورش والمصانع، لما صُقلت شخصياتنا، ولما عرفنا كيف نواجه الأزمات. رسالتي إلى كل أب وأم اليوم: خذ ابنك من يده ودعه يخوض معترك الحياة مبكرًا. ابحث له عن عمل صيفي - حتى إن قمت أنت بدفع رواتبه -، أو كلفه بمسؤوليات حقيقية وواجبات صارمة داخل البيت يضطلع بها ويُحاسب عليها. نحن بحاجة إلى بناء جيل من الرجال الذين يتحملون المسؤولية الكاملة تجاه أنفسهم وتجاه وطنهم، فالرجولة لا تصنعها الشاشات، بل تصنعها الميادين.
*مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين