أشباح الغد.. والمعارك التي لم تقع!

| د. بثينة خليفة قاسم

إلى الإعلامية القديرة نشوى الرويني.. التي تشرع نوافذ الوعي بكلماتها، وإلى القارئ الذي يواصل رحلة البحث عن السكينة وسط ضجيج الأفكار واضطرابها.

نحن أمة تخدع نفسها، لا عن سوء نية، بل بدافع من خوفٍ مشلّ. لقد حُبي البشر بهبة عظيمة هي "الخيال"، غير أننا، وبدلاً من استثمارها بشكل بنّاء يفيض بالأمل، نضيق الخناق على أنفسنا بهذه الهبة ذاتها، واضعين أرواحنا تحت وطأة توتر لا داعي له. وفي لفتة واضحة وموجزة تلخص حال العقل البشري اليوم، تقدم الإعلامية القديرة نشوى الرويني رؤية جوهرية حين كتبت:  "ليس كل ما يُقلقنا حقيقة، وليس كل ما نخشاه سيصبح واقعاً، فكثيراً ما يسبق خيالنا الأحداث، فيرسم سيناريوهات مثقله بالخوف والقلق بينما تمضي الحياه ببساطه أكبر مما نظن، وربما كانت أثقل المعارك التي نخوضها هي تلك التي لا تقع إلا في عقولنا "  

كلمات، على إيجازها الشديد، تفكك شفرة القلق الذي بات يتسلل تفصيلاً إلى ثنايا حياتنا اليومية. إن أشد المعارك التي يخوضها المرء وأكثرها مصيرية، ليست تلك التي تصطدم بعقبات العالم الخارجي، بل هي الكامنة في غياهب عقله. ففي كواليس العقل المظلمة، يرتدي البشر ثوب مخرجين سينمائيين بارعين في الرعب، ليصنعوا حبكات معقدة من الفقد، والفشل، والخذلان. لقد أدمنا القلق من أشياء قد لا تحدث أبداً، في حين أن الحياة تمضي في حقيقتها بكثير من السهولة، والأمل، والبساطة. وعوضاً عن الانغماس في الحاضر، نجدنا شاخصين بأبصارنا نحو القادم.. نحو ما يمكن تسميته بـأشباح الغد.

هذا الاستهلاك العنيف للكينونة النفسية والجسدية والذي لا يعدو كونه نزيفاً روحياً وبدنياً حاداً هو الثمن الفادح الذي ندفعه للإبقاء على الوهم حياً. إذ لا يمكن لأحدٍ أن يزعم بأن القلق قادر على انتزاع الحزن من غيب المستقبل، بل هو على العكس تماماً يغتال قدرتنا على الابتهاج بالحاضر. وتأمل معي كم من مرة استيقظنا بقلوب وجلة وتوقعات مرعوبة من خطبٍ فظيع، لنلتفت بعد أن تهب العاصفة ونكتشف أن مخاوفنا لم تكن سوى ظلال واهية ضخمها شعورنا بالعجز وتفكيرنا المشوه!

الواقع في جوهره ليس بهذا الرعب الذي تبنيه مخيلتنا القلقة. فالحياة تمضي بإنسيابيه بالغة، وغالباً ما يخبئ القدر من الألطاف ما يفوق حسابات البشر الضيقة. تلك الصور السوداوية التي تنبثق من أعماق الخوف ليست نبوءات للمستقبل، بل هي محض آثار جانبية لصناعة الخوف التي تحجب الحقيقة،حقيقة أننا أكثر مرونة وصلابة مما نقر به، وأن الحياة أرحم بكثير مما نتوقع.

كل الشكر والتقدير للإعلامية نشوى الرويني، التي يلهمنا عقلها الراجح وأسلوبها البليغ لإلقاء السلاح في تلك المعارك الوهمية. وللقارئ الكريم أقول، توقف قليلاً، وتأمل ما وراء مسارح الخوف في عقلك، وعش لحظتك الحاضرة. فالحياة تحمل من الحكمة والبساطة ما يغنيك عن تبديد عمرك في استعدادات بائسة لمستقبل قد لا يأتي إلا حاملاً معه كل البركات والمسرات، بينما انت منهك نفسك في دمعه لن يحن وقتها بعد!