عن مكارم الاخلاق: الرضا بالقضاء والقدر (17)
| د. بثينة خليفة قاسم
"إن حياه كل إنسان تساوي واحد صحيح .. فمجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر.. وذلك هو عدل الله .. فإن كنت أحسن من إنسان في شئ.. فإبحث عن النقص فيك" الشيخ محمد متولي الشعراوي- رحمه الله-
مقولة لا أنساها أبداً كلما هاجمني الضعف الإنساني وتلبدت سمائي بالغيوم، فهي عبارة تكبح النفس البشرية الساعية دوماً للمزيد الناظرة إلى ما في أيدي الناس ، التي لا تشبع مهما أوتيت من مال ومكانة ، وصدق رسول الله عليه أفضل الصلاه والسلام الذي قال “ لو كان لابن آدم جبلان من ذهب لتمنى الثالث”. فصاحب المليار يريد مليارين ، وصاحب المليارين يريد أربعة. من لم يرزقه الله بالذرية يقول لو أن الله أعطاني ولد حتى وإن كان هذا الولد مخبولاً أو فاسداً ، ومن لديه الأولاد والبنات الكثير قد لا يشكر الله على هذه النعمة . الشعور بالنقص دوماً سمة إنسانية ثابتة لا تتغير أبداً، فقد يكون للإنسان أمنية أو حلمٌ يسعى لتحقيقه في مرحلة ما، فما أن يتحقق هذا الحلم حتى ينتاب النفس إحساس جديد بالنقص الذي يتمثل في رغبة أو حلم جديد تسعى إلى تحقيقه. هذا الرجل الفقير الذي يتناول طعاماً بسيطاً ويلبس ثياباً بسيطة له صحة وبنيان جسدي يتمناه القادة العسكريون، إذا مرض يشفيه قرص بندول أو بصلة حقيرة تقتل ما أصابه من ميكروبات ، وإذا آوى إلى فراشه ينام نوماً لا تقدر على فعله كل مهدئات العالم. هذا الفقير قد تكون له قدرة جنسية لو علمها علية القوم لجالدوه عليها بالسيوف، فهو في لحظة ما يشعر وكأنه يحكم العالم ! هذا الرجل ذو المنصب الكبير، ذو المال الوفير، والذرية الناجحة ، الوجيه الذي يبتسم له الجميع ويهزون له الرؤوس ، عندما يحاول أن يعيش تلك اللحظة التي يعيشها ذلك الفقير، ربما يعود كالجنرال المغلوب . هو غني لاشك ويستطيع أن يعشق كل نساء الأرض ولكن دون جدوى.
هذه المرأة ذات المنصب الوفير والسلطه التي تبسط نفوذها على الآخرين وتُعامل كلماتها كأنها حقائق خالده تهابها النفوس، ويحرص الجميع على ارضائها، ولكن كل هذا الخضوع الذي يقدمه لها المتملقون من حولها لا يساوي ربع لحظة يمكنها أن تحلق فيها في آفاق السعاده والأمان النفسي والجسدي الذي حُرمت منه ، بحكم عدم وجود شريك في حياتها .
كل هذه الأمثلة تؤكد شيئاً واحداً وهو أن الإنسان لا يستطيع أبداً أن يحصل على كل شيء، فلابد أن يكون هناك نقص يسعى دوماً إلى إكماله. والسعي إلى إكمال النقص ليس بالشيء المعيب، لأنه يجعل الإنسان يستمر في الحياة ويمارسها ، ولكن الشيء الضار الذي يدمر الإنسان هو عدم الرضا بالحالة التي هو عليها بما فيها من نقص حتمي.
فيا أيها الساعي خلف ما نقصك، قف واستشعر ما بين يديك من نِعم تفيض بها حياتك، فربما كانت تلك الغمامة العابرة في سمائك هي خيط ضياء يفتقده محرومٌ في بقعةٍ أخرى من الأرض. ما أجمل أن يرضى المرء بما حُبيَ من عطايا وقسمه الله عز وجل ، وأن يوقن بأن الحياة، وإن تشققت، تُخفي بين ثناياها بهاءً يجعل منها جنه ساحره. إن الرضا ليس استسلاماً، بل هو ذاك التناغم العذب مع " الواحد الصحيح" المقدر لك، والذي يجعلك تدرك يقيناً أنك لست بحاجة لكل شيء، لتملك كل شىء .