عندما يُحاضر “جزار طهران” في حقوق الإنسان

| منصور بن رجب

لم يعد مستغرباً أن تمارس إيران هوايتها المفضلة في “التباكي السياسي” وارتداء ثوب الواعظ الإنساني كلما أرادت الهروب من أزماتها الداخلية الخانقة. لكن الوقاحة بلغت مداها الأخير حين خرجت علينا الأبواق الإيرانية بتصريحات ومقالات مسمومة تتباكى فيها على وضع الشيعة في البحرين، مستندةً إلى تقارير إعلامية كاذبة هي نفسها التي تأمر بفبركتها بواسطة خونة ومتآمرين يعملون كأذناب رخيصة غربية لأجهزتها الاستخباراتية. إنها المفارقة السياسية الأكثر بؤسًا في العصر الحديث: نظامٌ يمارس القمع يومياً، ويبني لشعبه المشانق مع كل طالع شمس، وتكتظ سجونه بسجناء الرأي، ويقوم فعليا بإبادة شيعة الداخل، ثم يتباكى على شيعة الخارج! ونظام يشتمل سجله الحقوقي على أكثر من 98 إدانة أممية تاريخية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة تدين “الانتهاكات الصارخة والمنهجية لحقوق الإنسان في إيران، واستخدام الإعدامات كوسيلة للترهيب السياسي”.!! نظام هو الأعلى رصيداً بين كل دول العالم في سجل الإعدام السياسي وبمعدل يزيد على 3200 حالة إعدام لمواطنين ايرانيين من الشيعة.. ويزعم أن دموعه تذرف من أجل شيعة البحرين أو الخليج العربي.!! فقبل أن يوجه ملالي طهران أنظارهم صوب البحرين عاصمة التسامح الديني والمذهبي وأيقونة التعايش المعترف بها وبسجلاتها دولياً وعالمياً، كان الأولى بهم أن ينظروا إلى الشوارع التي ما زالت تفوح منها رائحة دماء الأبرياء في طهران، ومشهد، والأهواز.. وغيرها. إن التاريخ القريب لن يرحم، والتقارير الدولية والأممية وثّقت بالأسماء والأرقام مجازر الحرس الثوري وبطش ميليشيات الباسيج في مطلع هذا العام (يناير ٢٠٢٦) قبيل اندلاع الحرب الأخيرة. خلال ثلاثة أسابيع فقط من الاحتجاجات الشعبية العارمة التي فجّرها الجوع والانهيار الاقتصادي والقمع، قامت الآلة العسكرية الإيرانية بتصفية وقتل عشرات الآلاف من المواطنين الإيرانيين الشيعة في الشوارع. قناصة اعتلت الأسطح، مستشفيات تحولت إلى مسالخ، وشاحنات نقل مبردة استخدمت لنقل الجثث بعد أن نفدت أكفان الموتى. هؤلاء الضحايا الذين سُحقت عظامهم برصاص الحرس الثوري والباسيج لم يكونوا من كوكب آخر؛ كانوا شيعةً إيرانيين انتفضوا ضد الفساد والاستبداد، فكان جزاؤهم الإبادة الجماعية والتعتيم الكامل بقطع الإنترنت عن العالم. فعن أي حقوق يتحدث نظامٌ يبيد حاضنته الشعبية ويسحق أبناء جلدته لمجرد المطالبة بالخبز والحرية؟! ومن قال لهذا النظام الطاغية أن شيعة البحرين يحتاجون “رعايته” و “ووصايته” التي يعرف العالم مآلاتها ونتائجها في العراق وفي اليمن وفي لبنان وسوريا..!! وإذا تصفحنا كتاب “الرعاية الإيرانية” للشيعة خارج حدودها، فلن نجد مثالاً أكثر صارخية وطغيانًا من العراق. لقد حوّلت طهران بلاد الرافدين إلى حديقة خلفية ومورد اقتصادي مستباح لتمويل مشروعها التوسعي. وحولت ثروات العراق الطبيعية الى لعبة فساد كبرى.. وهنا يجب الفصل تماماً بين ثلة المنتفعين والمسؤولين الخاضعين لسطوة النفوذ الإيراني، وبين الشعب العراقي العربي الأبيّ بجميع طوائفه وفي مقدمتهم الشيعة. لقد تعرض الشعب العراقي لأبشع عملية طغيان وسرقة علنية لخيراته وثرواته النفطية والمائية، بينما يغرق شبابه في البطالة والفقر والجهل. ولقد حاربت ايران كل بارقة أمل لاستقلال القرار الشيعي العراقي، وسفكت دماء الشباب في ساحة التحرير والمحافظات الجنوبية لمجرد أنهم هتفوا “بغداد حرة.. إيران برة”. إنه نفوذ قائم على تجويع الحاضنة الشيعية وتجهيلها لصالح بقاء لصوص السياسة الموالين لها. في المقابل، تحاول ايران عبر أدواتها الإعلامية تزوير وتضخيم كل ما يتعلق بالشأن البحريني الداخلي، متناسية أن البحرين واجهت على مدار سنوات طوال محاولات مستمرة وممنهجة لتسليح جماعات تخريبية بهدف ضرب النسيج الاجتماعي البحريني وتحويل المملكة إلى ساحة حرب بالوكالة، كما فعلت في اليمن ولبنان وسوريا. إن الشيعة في البحرين هم جزء لا يتجزأ من النسيج العربي والوطني الخليجي، والدولة البحرينية أثبتت مراراً عبر مبادرات العفو الملكي الشامل والخطوات الإصلاحية، أن الحل دائمًا يكون “بحرينيًا داخليًا” تحت مظلة المواطنة، وليس عبر فتاوى وتوجيهات تأتي عابرة للحدود من غرف استخبارات الحرس الثوري. وان التحام القيادة مع الشعب في البحرين عروة وثقى لطالما استطاعت رد المؤآمرات ومواجهة الصعوبات ومقاومة التدخلات والاعتداءات الايرانية بفضل تماسكها وأصالتها وقوتها الوطنية. واذن فعلى طهران أن تفهم أن اللعبة انفضحت، وأن شعوب المنطقة - شيعةً وسنة - باتت تدرك أن شعارات “نصرة المستضعفين” ما هي إلا غطاء أيديولوجي رخيص لمشروع إمبريالي قمعي. فمن كان بيته من زجاج تملؤه دماء عشرات الآلاف من قتلى الاحتجاجات، ومن يقتات على سرقة نفط العراق وقوت شعبه، لا يملك الحق الأخلاقي ولا السياسي في إعطاء دروس في حقوق الإنسان أو المواطنة لأي دولة في الخليج العربي. وعلى ايران اذا ما أرادت فعلا أن تكون جزءاً من دول المنطقة ونهضتها وتنميتها .. عليها أن تتوقف عن مخططاتها الفاسدة بالعزف على أوتار الطائفية واستغلال ملف الشيعة في الخليج كورقة ضغط سياسية، متناسيةً السجل الأسود لنظام الملالي في حق الشيعة أنفسهم داخل إيران وخارجها. وعلى ايران أن تدرك أن الحديث الإيراني عن العدالة الإنسانية هو نكتة سمجة تثير القرف، فنظام (الولي الفقيه) بنى شرعيته على جماجم مواطنيه، وتحوّل من دولة إلى مقاولة تخريب ووكالة ارهاب عابرة للحدود. وعلى ايران أن تعلم أن الشيعة العرب وفي دول الخليج العربي تحديدا ليسوا بحاجة إلى صكوك غفران من نظامٍ يبيد حاضنته الشعبية من أجل بقاء عمامته الاستبدادية.