الحلقة المفقودة في تعليم الإعلام العربي
| نجلاء الفاضل
لطالما أذهلني العقل البشري، فلم أكن أنظر إليه بوصفه مجرد عضو مسؤول عن التفكير والذاكرة، بل كنت أراه عالمًا كاملًا من الدوافع والانحيازات والمعتقدات والأنماط التي تشكل طريقة رؤيتنا للحياة واتخاذنا القرارات وتفاعلنا مع كل ما يدور حولنا. لذلك، عندما بدأت دراسة العقل البشري وآليات عمله، لم تكن تلك المعرفة بالنسبة لي بعيدة عن تخصصي في الإعلام، بل كانت المفتاح الذي جعلني أفهم الإعلام بصورة مختلفة تمامًا. اكتشفت أن كثيرًا مما نعتقد أنه رأي مستقل أو قناعة شخصية يتأثر بطريقة عرض المعلومة، وتكرارها، وترتيبها، والإطار الذي توضع فيه. فالعقل البشري لا يستقبل الرسائل الإعلامية بصورة محايدة تمامًا، بل يتفاعل معها من خلال اختصارات ذهنية، وأنماط ربط عقلية، وانحيازات معرفية، واستجابات عاطفية يمكن فهمها ودراستها. وقد تعمق هذا الإدراك أكثر أثناء إعداد رسالتي للماجستير، حيث قمت بتحليل إحدى الصحف الأميركية، ولاحظت بشكل واضح كيف تتقاطع المعرفة بطبيعة العقل البشري مع الممارسة الإعلامية. لم يكن الأمر مجرد نقل للأحداث أو صياغة للعناوين، بل كان هناك وعي بكيفية بناء السرديات، وتحديد الأولويات، واختيار الكلمات، وصناعة الإطارات الذهنية التي تؤثر في المتلقي وتوجه طريقة فهمه للقضايا المطروحة. ولعل ما يفسر ذلك أن الكثير من برامج الإعلام والاتصال في الجامعات الغربية تتقاطع مع علم النفس المعرفي، وعلم النفس الإعلامي، ودراسات الإقناع، والاقتصاد السلوكي، بل وحتى علوم الأعصاب التسويقية. لا يقتصر الأمر على تعليم الطالب كيف يكتب خبرًا أو يصنع محتوى، بل يمتد إلى فهم كيفية عمل الانتباه، وما الذي يجعل الإنسان يتذكر رسالة معينة، وكيف تتشكل القناعات، وما هي الانحيازات المعرفية التي تؤثر في تفسير المعلومات واتخاذ القرارات. وفي المقابل، ومن خلال اطلاعي وتجربتي الأكاديمية، أجد أن كثيرًا من برامج الإعلام في العالم العربي لا تزال تركز بدرجة أكبر على مهارات التحرير الصحافي، والإخراج، والنظريات الإعلامية التقليدية، والجوانب التقنية للمهنة، بينما تحظى العلوم المرتبطة بفهم الإنسان وسلوكه بحضور أقل مقارنة بما نشهده في العديد من برامج الإعلام والاتصال في الجامعات الغربية. وربما لهذا السبب لا يتعلق الفارق أحيانًا بالأدوات المستخدمة بقدر ما يتعلق بعمق فهم المتلقي نفسه. فالإعلام ليس مجرد كاميرا وقلم ومنصة رقمية، وليس مجرد القدرة على إيصال المعلومة. إنه فهم للإنسان الذي يتلقى هذه المعلومة: كيف ينتبه؟ كيف يتذكر؟ كيف يفسر؟ وكيف يتأثر؟ فكلما فهمنا الإنسان بصورة أعمق، أصبحنا أكثر قدرة على إنتاج إعلام أكثر تأثيرًا، وأكثر وعيًا بمسؤوليته الأخلاقية. إن تطوير الدراسات الإعلامية العربية لا يتطلب فقط تحديث الأدوات ومواكبة المنصات الجديدة، بل إعادة النظر في الطريقة التي نُعِد بها الإعلاميين. نحن بحاجة إلى إعلامي يفهم النفس البشرية بقدر فهمه قواعد التحرير، ويعرف كيف تعمل الانحيازات المعرفية بقدر معرفته أساليب الكتابة، ويدرك أن التأثير مسؤولية قبل أن يكون مهارة. وربما لهذا السبب أرى أن الجمع بين دراسة الإعلام ودراسة العقل البشري لا يزال من المجالات النادرة نسبيًا في عالمنا العربي. فغالبًا ما نجد متخصصين في الإعلام بعيدين عن علوم السلوك الإنساني، أو متخصصين في علم النفس والتأثير بعيدين عن الممارسة الإعلامية. بينما تكمن القوة الحقيقية في الجمع بين المجالين؛ لأن فهم الرسالة وحده لا يكفي، كما أن فهم الإنسان وحده لا يكفي. فالتأثير الفعّال يتطلب فهمًا عميقًا لكيفية صناعة الرسائل من جهة، وكيفية استقبال العقل البشري لها من جهة أخرى. وربما كان هذا التقاطع المعرفي هو ما دفعني طوال مسيرتي إلى التعمق في دراسة الإعلام والعقل البشري معًا، والاهتمام بعلوم الإقناع والتأثير بوصفها مجالات متكاملة وليست منفصلة. ولعل هذا ما يجعلني أؤمن بأن مستقبل الإعلام لن يكون للأكثر انتشارًا فقط، بل للأكثر فهمًا للإنسان. فالتقنيات تتغير باستمرار، والمنصات تتبدل، لكن طبيعة العقل البشري تظل عاملًا أساسيًا في عملية التأثير. وكلما ازداد فهم الإعلامي لكيفية تفكير الناس واتخاذهم القرارات وتفاعلهم مع الرسائل المختلفة، أصبح أكثر قدرة على صناعة محتوى لا يصل إلى الجمهور فحسب، بل يترك أثرًا حقيقيًا ومستدامًا فيه.