الاتفاقية الاقتصادية الخليجية الموحدة.. وعد لم يُستكمل

| د. إحسان علي بوحليقة

تُعد الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي وقعتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالعام 2001 إحدى أبرز الوثائق الطموحة في تاريخ التكامل الإقليمي بين الدول النامية. جاءت هذه الاتفاقية كخطوة استراتيجية لترسيخ أسس سوق خليجية مشتركة حقيقية، بعد أكثر من عقدين من تأسيس المجلس بالعام 1981.  وتظل المادة الثالثة من الاتفاقية محورا مركزيا، إذ تنص صراحة على منح مواطني الدول الأعضاء معاملة وطنية كاملة في عشرة مجالات اقتصادية وحياتية أساسية، دون أي تفريق أو تمييز. وتشمل هذه المجالات: حرية التنقل والإقامة، والعمل في القطاعين العام والخاص، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وممارسة المهن والحرف، ومزاولة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتملك العقارات، وحرية انتقال رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية المتكافئة، وتداول الأسهم وتأسيس الشركات، إلى جانب المساواة في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. كما حددت الاتفاقية جدولا زمنيا واضحا وطموحا: استكمال المساواة في مجالي العمل والاستثمار بنهاية 2003، واستكمال التأمين الاجتماعي بنهاية 2005، وإنجاز السوق المشتركة بنهاية 2007.  وقد تحقق بعض التقدم الملموس على مستوى الإطار القانوني، مثل إطلاق الاتحاد الجمركي بالعام 2003، وإعلان السوق المشتركة رسميا بالعام 2008، إلا أن الواقع العملي يظهر فجوة واضحة بين النصوص والتطبيق، حيث تشير البيانات التاريخية للأمانة العامة للمجلس إلى أن عدد مواطني دول المجلس العاملين في القطاع الخاص بدول أخرى أعضاء متواضعة مقارنة بحجم القوى العاملة الوطنية في الدول الست. وحتى اليوم يبقى هذا الرقم محدودا نسبيا على رغم بعض التحسن التدريجي، ما يعكس استمرار بعض العوائق الإدارية والتنظيمية أمام الحركة الحرة للعمالة الوطنية. كما تظل حرية انتقال رؤوس الأموال محدودة في بعض الجوانب العملية، حيث تفرض بعض الدول قيودا تنظيمية أو إجرائية تعوق الاستثمارات البينية. وتستمر قوانين الوكالة التجارية في تقييد المنافسة في بعض الحالات، وتمنع المواطنين من الدول الأخرى من ممارسة بعض الأنشطة التجارية بحرية كاملة. أما مشروع السوق المالية الخليجية الموحدة، الذي كان يُنظر إليه كركيزة أساسية لتداول الأسهم وتأسيس الشركات عبر الحدود، فيظل محدود التفعيل على رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاما على إعلان السوق المشتركة.  وعلى الرغم من أن قيمة التجارة البينية بين دول المجلس تجاوزت 70 مليار دولار في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال تمثل نسبة متواضعة قياسا بحجم الاقتصاد الخليجي المجمع الذي يتجاوز 2.2 تريليون دولار. وهكذا يمكن القول إن التأخر في استكمال هذه الاتفاقية يعكس تحديات سياسية واقتصادية عميقة تتعلق بالتوازن بين السيادة الوطنية والتكامل الإقليمي، والمخاوف من المنافسة غير المتكافئة بين الاقتصادات الأكبر والأصغر. ومع ذلك، فإن الظروف الراهنة -خصوصا التحديات الجيوسياسية والحاجة الملحة إلى التنويع الاقتصادي- توفر نافذة سانحة لإعادة إحياء الاتفاقية وتفعيلها بشكل أكثر كفاءة. إن استكمال بنودها لم يعد خيارا ترفيًّا، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز المرونة الاقتصادية وخلق سوق داخلية قوية قادرة على جذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل نوعية للشباب الخليجي. ولا بد من الإقرار بأنه على رغم التحديات لا تزال الاتفاقية تمثل إطارا قويا يمكن البناء عليه، خصوصا مع التوجهات الحالية نحو التنويع الاقتصادي والتحول الرقمي في دول المجلس، ما يجعل استكمال تطبيق بنودها بشكل كامل أمر من شأنه أن يحول التكتل الخليجي إلى قوة اقتصادية إقليمية أكثر تماسكا وتنافسية، قادرة على مواجهة التحديات العالمية بفعالية أكبر، وبالتأكيد يتطلب ذلك إرادة سياسية مشتركة وآليات تنفيذية أقوى لسد الفجوة بين النصوص والواقع.

 

‭*‬مؤسس‭ ‬مركز‭ ‬جواثا‭ ‬الاستشاري