حين عطشت النخيل وصمتت الصواري

| موزة الكواري

هناك رجال يرحلون فنقرأ خبر وفاتهم ، وهناك رجال يرحلون فنشعر بأن مدينة كاملة فقدت شيئا من روحها

لم أستطع أن أقرأ خبر رحيل علي عبدالله خليفة بوصفه خبرًا عابرًا.

شعرت، للحظة، أن نخلةً قد هرمت ، وأن الصواري التي طالما أنصت إلى أنينها قد آثرت الصمت، احترامًا لمن منحها صوتًا.

كان يعرف البحر كما يعرف البحارة وجوههم، ويعرف النخلة كما يعرف الفلاح صبرها. لذلك لم تكن قصائده تصف الأشياء، بل كانت تمنحها روحًا؛ حتى أصبح البحر يتكلم، والنخيل يعطش، والصواري تئن، والعصافير تغني للمساء.

رحل الرجل الذي ظل يكتب البحرين، لا بالحبر، بل بالذاكرة.

كتبها وهي تغوص في اللؤلؤ، وكتبها وهي ترفع أشرعتها نحو الأفق، وكتبها وهي تتكئ على جذوع النخيل لتقاوم قيظ الأيام. لم يكن شاعرًا يبحث عن القصيدة، بل كانت القصيدة تبحث عنه في الأزقة القديمة، وعلى السواحل، وفي وجوه الناس البسطاء.

أفكر الآن…

من سيطمئن النخيل أن صاحبها قد غاب؟

ومن سيخبر البحر أن واحدًا من أكثر عشاقه وفاءً لن يقف بعد اليوم على ضفافه؟

علي عبدالله خليفة ليس شاعرا فقط، بل واحدًا من حرّاس ذاكرة البحرين. فالكلمات التي تركها لم تكن دواوين تُصف على الرفوف، بل كانت مرافئ نعود إليها كلما خفنا أن يبتلعنا النسيان.

يرحل الإنسان، لكن بعض الأرواح تتسلل إلى الأمكنة التي أحبتها. لذلك، كلما مررنا بنخلةٍ تقاوم العطش، أو سمعنا صرير صاريةٍ تعانق الريح، أو لمحنا قاربًا يعود من البحر مثقلًا بالحكايات… سنعرف أن علي عبدالله خليفة لم يغب تمامًا.

فبعض الشعراء لا يدفنون في التراب

بل يدفنون في قلوب أوطانهم، ويظلون ينبتون فيها إلى الأبد.

وسيظل إرثه حيًا بين دفات كتبه لأن الكلمة الصادقة لا تموت.

رحم الله أديب البحرين، وألهم محبيه الصبر، وجعل ما تركه من كلمةٍ صادقةٍ نورًا لا ينطفئ

ذات ليلة انطفئ ضوء القمر صمت صوت المرافئ ، حين قد حان السفر رحلت تلك الصواري هدأ موج البحر تاركا فينا أنينا وحنينا وأثر