العقلاء يبنون على المحاسن

| د. بثينة خليفة قاسم

شهد منبر مركز أحمد الفاتح الإسلامي بمملكة البحرين اليوم  (11 محرم 1448 هـ / 26 يونيو 2026 م)، خطبة جمعة جامعة جاد بها بيان فضيلة الشيخ الجليل عدنان القطان بكلمات بليغة مفعمة بالفضيلة، حيث رسم فضيلته معالم واضحة للارتقاء بوحدة الصف، ونبذ الفرقة، وبث روح التسامح والمودة في وجدان الأمة. وبعرض مستبصر لنماذج من السيرة النبوية العطرة، أبان فضيلة الشيخ كيف قامت دعائم الدولة الأولى في المدينة المنورة على أصلين راسخين: أولهما، الأخوة الروحية التي عقدها الرسول الأعظم محمد -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، وتلاشت في ظلالها العصبيات والتنافسات القبلية، لتؤكد أن ميزان التفاضل والتساوي بين المسلمين إنما يقاس بالتقوى وحسب. وثانيهما، الأواصر العائلية الوثيقة التي صهرتها المصاهرات، فكانت العلاقات الزوجية داخل البيت النبوي وبين الأصحاب الأجلاء تجسيداً لصدق الولاء وعمق الترابط في ذلك الجيل الطليعي، حيث تشابكت الأنساب وأواصر الدماء في نسيج واحد لا ينفصم.

علاوة على ذلك، أكد الشيخ القطان أن عقيدة أهل السنة والجماعة لا يدخلها الشك في محبتها لآل البيت الأطهار وأصحاب النبي الأجلاء، إذ يمثل هؤلاء جميعاً جناحي جسد واحد، وتوقيرهم فرع من توقير النبي عليه افضل الصلاه والسلام ، وصيانة إرثهم هي صيانة للدين نفسه. ومن رحم هذا التأصيل، استوت القاعدة الفكرية للخطبة: "العقلاء فقط هم من يبنون على المحاسن"، لتفتح أمامنا مساراً حكيماً يسترشد به المرء فكرياً واجتماعياً. فالعاقل يتجاوز عثرات التاريخ بالبحث عن مساحات المشتركات الفسيحة التي يشيد عليها المستقبل، في حين لا يفتش عن العيوب والخلاف إلا من يسير في ركاب الهدم والخراب.

وتتويجاً لكل ما سلف من معانٍ سامية، برزت الأبيات الشعرية المستوحاة من عيون الأدب العقدي والتربوي، لتعكس فقه التعامل مع أحداث التاريخ بقلوب سليمة وألسنة كفت عن الفضل.

قل خير قول في صحابة أحمد،  وامدح جميع الآل والنسوان.. دع ما جرى بين الصحابة في الوغى، بسيوفهم يوم التقى الجمعان.. فقتيلهم منهم وقاتلهم لهم ، وكلاهما في الحشر مرحومان..

إن هذه الأبيات المأخوذة من "القصيدة النونية" الشهيرة للإمام الكبير أبي محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني، تمثل نداءً صادقاً مفعماً بالرحمة انطلق من جامع الفاتح، ليذكرنا بوجوب اتخاذ المعرفة بالماضي وتاريخه القدوة منطلقاً للسلام والتماسك، لا مبعثاً للفرقة والعداوة، وبما يعيننا على حفظ الوحدة والوئام في وطننا العزيز.  وختاماً، نرفع أكف الشكر والامتنان لفضيلة الشيخ عدنان القطان على هذا الحديث الموجه والخطاب الحكيم الذي يداوي جراح الأمة ويجمع الناس على كلمة سواء، سائلين المولى أن يجزيه عن علمه وعمله للإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يديم نفع بيانه لينير قلوب السامعين والمحبين.