إيران بين الهزيمة وإعادة التبييض الأميركي

| حسن الأسود

إن‭ ‬من‭ ‬يتفحص‭ ‬حركة‭ ‬الصراع‭ ‬الإنساني‭ ‬تاريخيا،‭ ‬وحقيقة‭ ‬تصادم‭ ‬الأمم‭ ‬منذ‭ ‬الأزل‭ ‬وصولا‭ ‬للحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬الأخيرتين،‭ ‬وكذلك‭ ‬حروب‭ ‬الشرق‭ ‬العربي‭ ‬كالحرب‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬واحتلال‭ ‬العراق،‭ ‬سيصل‭ ‬إلى‭ ‬محصلة‭ ‬ثابتة‭ ‬مقتضاها‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مفاهيم‭ ‬إنسانية‭ ‬ثابتة‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬الصراعي‭ ‬للأمم‭. ‬وتلك‭ ‬المحصلة‭ ‬تقضي‭ ‬بأن‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تشن‭ ‬إلا‭ ‬لغايات،‭ ‬وأن‭ ‬تحقق‭ ‬الغايات‭ ‬يستلزم‭ ‬ثبات‭ ‬مفهوم‭ ‬ذهني‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬ثاني‭ ‬له،‭ ‬وهو‭ ‬تجلي‭ ‬حقيقة‭ ‬الانتصار‭ ‬بطرف‭ ‬منتصر‭ ‬وآخر‭ ‬مهزوم‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬الحرب،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬الغايات‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬يكون‭ ‬ركنه‭ ‬الأول‭ ‬تحقق‭ ‬معادلة‭ ‬طرف‭ ‬منتصر‭ ‬وطرف‭ ‬آخر‭ ‬خاسر‭ ‬ومذعن‭.‬

وكفطرة‭ ‬إنسانية‭ ‬تتجلى‭ ‬نشوة‭ ‬نصر‭ ‬المنتصر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الفاصلة‭ ‬إما‭ ‬بقطع‭ ‬رأس‭ ‬غريمه‭ ‬واجتثاث‭ ‬دولته،‭ ‬أو‭ ‬بقبول‭ ‬استسلامه‭ ‬وإذعانه‭ ‬المعلن‭. ‬وفي‭ ‬الحالة‭ ‬الأخيرة‭ ‬يفرض‭ ‬المنتصر‭ ‬صيغة‭ ‬إذلال‭ ‬الغريم‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬والمجتمع‭ ‬الإنساني‭ ‬وبلا‭ ‬تستر‭ ‬ولا‭ ‬مواراة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقرار‭ ‬وإعلان‭ ‬المهزوم‭ ‬لهزيمته‭ ‬وإذعانه‭ ‬بشكل‭ ‬جلي‭ ‬وغير‭ ‬ملتبس‭ ‬الصورة‭ ‬والإعلام‭.‬

لكننا،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬رصد‭ ‬تاريخ‭ ‬صراع‭ ‬الغربيين‭ ‬الشكلي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬التصادمات‭ ‬والحروب‭ ‬المنسقة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬نجد‭ ‬حالة‭ ‬فارقة‭ ‬وشاذة‭ ‬عن‭ ‬سياقات‭ ‬المفهوم‭ ‬الفطري‭ ‬الإنساني‭ ‬لحالة‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم،‭ ‬إذ‭ ‬إننا‭ ‬نجد‭ ‬هنا‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التستر‭ ‬والتخادم‭ ‬المفضوح‭ ‬لحفظ‭ ‬مكانة‭ ‬المهزوم‭ ‬وهي‭ ‬إيران،‭ ‬وهذا‭ ‬التستر‭ ‬يشي‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يتبناه‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬السري‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬النخبة‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬صارت‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬جوهر‭ ‬وحقيقة‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬وتوصيفه‭ ‬بين‭ ‬الغريمين‭ ‬المفترضين‭. ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬بين‭ ‬الأميركيين‭ ‬والفرس‭ ‬الإيرانيين‭ ‬أحدثت‭ ‬صيغا‭ ‬ومفاهيم‭ ‬أخرى‭ ‬مضللة‭ ‬لسياق‭ ‬الفطرة‭ ‬والفهم‭ ‬الإنساني،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يفرز‭ ‬فيها‭ ‬المنتصر‭ ‬من‭ ‬المهزوم‭ ‬بالصيغ‭ ‬الفطرية‭ ‬المفهومة‭ ‬وبالمنطق‭ ‬الإنساني‭ ‬السوي‭ ‬والمجرد‭ ‬من‭ ‬خداع‭ ‬النفس‭.

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الميزان‭ ‬العسكري‭ ‬لفائض‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬يميل‭ ‬لصالح‭ ‬أميركا‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للفرس‭ ‬مجاراته،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس؛‭ ‬فمنذ‭ ‬الأيام‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬تلاها‭ ‬صارت‭ ‬سماء‭ ‬إيران‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬مصراعيها‭ ‬أمام‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الجوي‭ ‬الأميركي‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أية‭ ‬مقاومة‭ ‬أو‭ ‬تصد‭ ‬يذكر،‭ ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬سحق‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المستويات‭ ‬العسكرية‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬اجتثاث‭ ‬القيادات‭ ‬العليا‭ ‬حتى‭ ‬الصف‭ ‬الثالث‭. ‬تلك‭ ‬القيادات‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬تغنت‭ ‬وزيفت‭ ‬الواقع‭ ‬الحقيقي‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬الدولي‭ ‬والأتباع‭ ‬عبر‭ ‬الأربعين‭ ‬سنة‭ ‬الماضية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الترويج‭ ‬لحتمية‭ ‬نصرها‭ ‬على‭ ‬الأميركان‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وقعت‭ ‬حالة‭ ‬الاصطدام‭ ‬الكبرى،‭ ‬فإنها‭ ‬وعلى‭ ‬حد‭ ‬زعمها‭ ‬سوف‭ ‬تخسف‭ ‬ببوارج‭ ‬الأميركان‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الخليج،‭ ‬مما‭ ‬عشم‭ ‬الجحوش‭ ‬من‭ ‬أتباع‭ ‬الفرس‭ ‬للتطير‭ ‬والتصديق‭ ‬بأن‭ ‬إيران‭ ‬خصم‭ ‬حقيقي‭ ‬للإمبريالية‭ ‬الأميركية‭ ‬وخططها‭.‬

وفي‭ ‬تقديري‭ ‬أن‭ ‬تصفية‭ ‬القيادات‭ ‬الإيرانية‭ ‬حتى‭ ‬الصف‭ ‬الثالث‭ ‬قد‭ ‬أنهت‭ ‬الحرب‭ ‬فعليا‭ ‬منذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬وحققت‭ ‬نصرا‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولو‭ ‬أنها‭ ‬استمرت‭ ‬في‭ ‬القصف‭ ‬ولم‭ ‬تجترح‭ ‬نظام‭ ‬الهدن‭ ‬المتعاقبة‭ ‬لكان‭ ‬ذلك‭ ‬كفيلا‭ ‬بانتهاء‭ ‬إيران‭ ‬وتغيير‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬وتقسيمها‭. ‬وواضح‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬دوائر‭ ‬القرار‭ ‬السري‭ ‬للحكومة‭ ‬العالمية‭ ‬قد‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬وحكومته‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬هدن‭ ‬محسوبة‭ ‬لإعطاء‭ ‬إيران‭ ‬فرصة‭ ‬لالتقاط‭ ‬الأنفاس‭ ‬والاتكاء‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الإعلامي،‭ ‬وذلك‭ ‬للتغطية‭ ‬على‭ ‬هزيمتها‭ ‬وإعادة‭ ‬تبييضها‭ ‬كخصم‭ ‬حقيقي‭. ‬وهنا‭ ‬بدا‭ ‬واضحا‭ ‬مجددا‭ ‬استعادة‭ ‬صيغ‭ ‬التخادم‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬لإخفاء‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬هيبة‭ ‬الطرف‭ ‬الأقوى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬وهي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة؛‭ ‬فمقتضيات‭ ‬النصر‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬تفرض‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬توقف‭ ‬إلا‭ ‬بكسر‭ ‬الخصم‭ ‬وسلب‭ ‬مجمل‭ ‬إرادته‭ ‬أمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي،‭ ‬فالمنتصر‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الميدان‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬بكل‭ ‬خياراتها‭ ‬التفاوضية‭ ‬والإعلامية‭ ‬وفرض‭ ‬خلاصة‭ ‬نتائجها‭.‬

وكما‭ ‬تقدم،‭ ‬واضح‭ ‬أن‭ ‬كفة‭ ‬الميزان‭ ‬العسكري‭ ‬هنا‭ ‬تميل‭ ‬لصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فلماذا‭ ‬قبلت‭ ‬بالعبث‭ ‬والتشويش‭ ‬الإعلامي‭ ‬للفرس‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬انتصار‭ ‬الأقوى؟‭ ‬أي‭ ‬لماذا‭ ‬أعطت‭ ‬أميركا‭ ‬فرصة‭ ‬لإيران‭ ‬لتنشر‭ ‬إعلاما‭ ‬تعبويا‭ ‬بعيدا‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬هزيمتها‭ ‬وانكسارها‭ ‬في‭ ‬الميدان؟‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬كل‭ ‬المحللين‭ ‬السياسيين‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬أمرهم‭ ‬لتشخيص‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصراع،‭ ‬ونحن‭ ‬شخصيا‭ ‬أشرنا‭ ‬لصناعة‭ ‬بعض‭ ‬ذلك‭ ‬التيه‭ ‬المتعمد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الطرفين‭ ‬للتعمية‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الأمور‭.‬

إن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬شخصيا‭ ‬كان‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬توجها‭ ‬حقيقيا‭ ‬لحسم‭ ‬ملف‭ ‬طهران‭ ‬بالقوة،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬مسار‭ ‬حملته‭ ‬العسكرية‭ ‬وفترها،‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬خبر‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وشخص‭ ‬سلوكها‭ ‬حتى‭ ‬انه‭ ‬قال‭ ‬عن‭ ‬الإيرانيين‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬12‭ ‬يونيو‭ (‬إنهم‭ ‬أناس‭ ‬عديمو‭ ‬الشرف،‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لمفهوم‭ ‬حسن‭ ‬النية‭ ‬معهم‭). ‬ونحن‭ ‬شخصيا‭ ‬رصدنا‭ ‬ذلك‭ ‬التشخيص‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬ونؤكد‭ ‬عليه،‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬لتقصينا‭ ‬لطبائعهم‭ ‬ودراسة‭ ‬سيكولوجيا‭ ‬السلوك‭ ‬الجمعي؛‭ ‬إن‭ ‬شخصية‭ ‬الفارسي‭ ‬وسلوكه‭ ‬مبنيان‭ ‬على‭ ‬الكذب‭ ‬العميق‭ ‬والباطنية‭ ‬الفجة‭ ‬وعقدة‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬دائم‭ ‬التربص‭ ‬بمن‭ ‬حوله‭ ‬تماما‭ ‬كالشخصية‭ ‬الصهيونية،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يصافي‭ ‬الآخر‭ ‬بنية‭ ‬حسنة‭.‬

إننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نجزم‭ ‬وضمن‭ ‬تسلسل‭ ‬سياق‭ ‬الأحداث‭ ‬أن‭ ‬إطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬إسرائيل،‭ ‬والتي‭ ‬سبقها‭ ‬إعلانهم‭ ‬أنهم‭ ‬سيضربون‭ ‬إسرائيل‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬ضرب‭ ‬تابعهم‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬تخادم‭ ‬وترتيب‭ ‬مسبق،‭ ‬وذلك‭ ‬لدواعي‭ ‬حفظ‭ ‬ماء‭ ‬الوجه‭ ‬أمام‭ ‬الأتباع،‭ ‬وكذلك‭ ‬لخندقة‭ ‬الداخل‭ ‬اللبناني‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬بحيث‭ ‬يصدق‭ ‬حزبهم‭ ‬التابع‭ ‬هناك‭ ‬بأنهم‭ ‬لن‭ ‬يتخلوا‭ ‬عنه‭ ‬فيقف‭ ‬كعقبة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬حكومة‭ ‬لبنان‭.‬

إن‭ ‬إيران‭ ‬هزمت‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬هرولت‭ ‬لإيقاف‭ ‬الحرب،‭ ‬وهي‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يراد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تتجلى‭ ‬للعالم‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأميركيين‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الوسطاء‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬نقل‭ ‬الرسائل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دعا‭ ‬لفتح‭ ‬الاحتمالات‭ ‬التحليلية‭ ‬على‭ ‬مصراعيها‭ ‬لمعرفة‭ ‬من‭ ‬المتنازل‭ ‬ومن‭ ‬المنتصر‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭.‬‭ ‬وبالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬سياقات‭ ‬تسلسل‭ ‬الأحداث‭ ‬للمشروع‭ ‬الأميركي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الغربي‭ ‬المستجد‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬والذي‭ ‬بدأ‭ ‬بإسقاط‭ ‬العراق‭ ‬وتثبيته‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬فقد‭ ‬نظرنا‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬السابقة‭ ‬لما‭ ‬يخطط‭ ‬للمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬تحديدا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬برمته‭.‬

وهنا‭ ‬سوف‭ ‬أتناول‭ ‬بالتحليل‭ ‬فيما‭ ‬تبقى‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬سطور‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬طي‭ ‬ملف‭ ‬إيران؛‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬المؤشرات‭ ‬تشي‭ ‬بأن‭ ‬دائرة‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬سوف‭ ‬توجهها‭ ‬الأجندة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬نحو‭ ‬تركيا،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التمدد‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬وربما‭ ‬الجغرافي‭ ‬للبنان‭ ‬وسوريا،‭ ‬فهل‭ ‬تتداعى‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬عسكري‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬المنطقة؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الأتراك‭ ‬سيتراجعون‭ ‬ويركعون‭ ‬للعاصفة‭ ‬حتى‭ ‬تمر؟‭ ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مشخص‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الشخصية‭ ‬التركية‭ ‬المتسمة‭ ‬تاريخيا‭ ‬بالعند‭ ‬والصبر‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬مازالت‭ ‬الأمور‭ ‬لم‭ ‬تتضح‭ ‬بعد؛‭ ‬فإسرائيل‭ ‬تريد‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬للبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬والمنطقة‭ ‬منفردة‭ ‬ودونما‭ ‬مراعاة‭ ‬لمصالح‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬الأخرى‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬تركيا،‭ ‬وذلك‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬صعبا‭.‬

أما‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬تشي‭ ‬بأن‭ ‬الأميركان‭ ‬والإيرانيين‭ ‬سيدخلون‭ ‬بياتا‭ ‬شتويا‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬سيتمخض‭ ‬عنه‭ ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬إلا‭ ‬الله،‭ ‬وعليه‭ ‬صار‭ ‬لزاما‭ ‬على‭ ‬عواصمنا‭ ‬الخليجية‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬صيغة‭ ‬التعاون‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الخليجي‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬الصعد‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬وقد‭ ‬نادى‭ ‬بذلك‭ ‬الملك‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز‭ (‬رحمه‭ ‬الله‭) ‬في‭ ‬2011،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬بالأمس‭ ‬له‭ ‬متسع‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة،‭ ‬إذ‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬عواصم‭ ‬الخليج‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات؛‭ ‬لأن‭ ‬خارطة‭ ‬الفضاء‭ ‬الدولي‭ ‬ورؤيته‭ ‬لمعايرة‭ ‬النفوذ‭ ‬والأثقال‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الخليجية‭ ‬سوف‭ ‬يعاد‭ ‬تشكيلها،‭ ‬وإن‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬أعيد‭ ‬تبييضها‭ ‬أميركيا‭ ‬لينظر‭ ‬لها‭ ‬عالميا‭ ‬بشكل‭ ‬آخر‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬وإشكالات‭ ‬المضيق‭.‬

إن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬كان‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئاسية‭ ‬الأميركية‭ ‬الأكثر‭ ‬تصميما‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬ملف‭ ‬إيران‭ ‬بالقوة‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬تعرض‭ ‬للتحجيم‭. ‬إن‭ ‬المقذوفات‭ ‬والصواريخ‭ ‬الفارسية‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬عواصمنا‭ ‬الخليجية‭ ‬بكل‭ ‬عهر‭ ‬وانعدام‭ ‬للشرف‭ ‬الإيراني‭ ‬وتحت‭ ‬ذريعة‭ ‬تواجد‭ ‬القواعد‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬أراضينا،‭ ‬بينما‭ ‬الأصول‭ ‬العسكرية‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬وناقلات‭ ‬جند‭ ‬تحاصر‭ ‬موانئها‭ ‬وعلى‭ ‬مرمى‭ ‬حجر‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتجرأ‭ ‬وتمسها‭ ‬بأي‭ ‬مقذوف‭ ‬يذكر،‭ ‬وهذه‭ ‬أكبر‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬تناقض‭ ‬الفرس‭ ‬وظهور‭ ‬حقدهم‭ ‬للمسلمين‭ ‬العرب،‭ ‬وما‭ ‬حادثة‭ ‬إسقاط‭ ‬المروحية‭ ‬إلا‭ ‬داخلة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التورية‭ ‬والتخادم‭ ‬لحفظ‭ ‬ماء‭ ‬الوجه‭.‬

وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬استحقاق‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬للتعويض،‭ ‬والذي‭ ‬ثبتته‭ ‬بلدي‭ ‬البحرين‭ ‬أمميا‭ ‬وبكل‭ ‬فخر،‭ ‬يتطلب‭ ‬رفع‭ ‬دعوى‭ ‬خليجية‭ ‬دولية‭ ‬لطلب‭ ‬التعويضات‭ ‬من‭ ‬طهران،‭ ‬كما‭ ‬وأننا‭ ‬نتمنى‭ ‬على‭ ‬عواصمنا‭ ‬الخليجية‭ ‬بشكل‭ ‬جمعي‭ ‬أن‭ ‬تقلص‭ ‬من‭ ‬سقف‭ ‬التمثيل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬مستوياته‭.‬

‭ ‬كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬