أسواق المال لا تنهار... بل تعيد ترتيب خنادقها نحو القطاعات الدفاعية
| علي البستكي
مع دخول النصف الثاني من عام 2026، تعيش الأسواق المالية العالمية مرحلة من الحيرة والترقب. فالتراجعات المتلاحقة في بعض مؤشرات الأسهم، والضغوط التي تعرض لها الذهب بعد موجات صعود تاريخية، إلى جانب الانتعاش المفاجئ للدولار الأميركي، دفعت كثيراً من المستثمرين إلى التساؤل: هل نحن على أعتاب أزمة مالية جديدة، أم أن ما يحدث مجرد إعادة تموضع طبيعية لرؤوس الأموال؟
القراءة المتأنية لحركة الأسواق تشير إلى أن ما نشهده اليوم لا يشبه مقدمات الانهيارات الكبرى التي عرفها التاريخ المالي، بل يمثل عملية إعادة توزيع للسيولة وإعادة تقييم للمخاطر في ظل بيئة نقدية مختلفة تماماً عما اعتادت عليه الأسواق خلال السنوات الماضية .
الدولار يعود إلى مركز القيادة
عاد الدولار الأميركي ليفرض حضوره بقوة مدعوماً باستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً، وبتماسك الاقتصاد الأميركي رغم التحديات العالمية. هذه المعطيات عززت جاذبية السندات والأدوات النقدية، وأعادت جزءاً كبيراً من السيولة نحو الأصول المقومة بالدولار . ومع ارتفاع العوائد، بدأت الضغوط تظهر على الأصول التي استفادت سابقاً من وفرة السيولة، وفي مقدمتها الذهب وأسهم النمو ذات التقييمات المرتفعة.
فالذهب، الذي كان أحد أبرز المستفيدين من حالة عدم اليقين العالمية، أصبح يواجه منافسة مباشرة من العائد المرتفع على السندات، بينما تعرضت العديد من أسهم التكنولوجيا لعمليات جني أرباح طبيعية بعد سنوات من المكاسب القوية .
السيولة لا تغادر السوق... بل تغير وجهتها
الخطأ الذي يقع فيه كثير من المستثمرين هو الاعتقاد بأن الأموال تخرج من الأسواق بالكامل. الحقيقة أن الأموال الذكية نادراً ما تهرب، بل تنتقل من قطاع إلى آخر بحثاً عن التوازن بين العائد والمخاطرة . واليوم تبدو الوجهة المفضلة لهذه السيولة هي القطاعات الدفاعية التي تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة وقدرة أكبر على مواجهة التقلبات الاقتصادية .
ومن أبرز هذه القطاعات :
قطاع المرافق العامة الذي تحول من قطاع تقليدي إلى لاعب رئيسي في الاقتصاد الحديث مع التوسع الهائل في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وارتفاع الطلب على الطاقة .
قطاع الرعاية الصحية والأدوية الذي يجمع بين النمو والاستقرار، ويستفيد من التغيرات الديموغرافية وارتفاع الإنفاق الصحي عالمياً .
قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية الذي يضم الشركات المنتجة للغذاء والمنتجات اليومية، وهي سلع لا يتوقف الطلب عليها مهما تغيرت الظروف الاقتصادية.
قطاع الصناعات الدفاعية والعسكرية الذي يستفيد من زيادة الإنفاق الحكومي على الأمن والدفاع في ظل بيئة جيوسياسية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى .
مرحلة غربلة صحية
من منظور استثماري، يمكن النظر إلى ما يحدث باعتباره عملية غربلة صحية للأسواق أكثر منه بداية لانهيار شامل. فالتدوير بين القطاعات يساهم في تخفيف حدة الفقاعات السعرية ويمنح الأسواق قدرة أكبر على الاستمرار دون اختلالات كبيرة. لقد اعتادت الأسواق أن تنتقل القيادة من قطاع إلى آخر مع تغير الدورة الاقتصادية، وما نشهده اليوم ليس استثناءً، بل امتداد لهذه القاعدة التاريخية.
الخلاصة
الأسواق لا تعيش حالة انهيار، بل تمر بمرحلة إعادة تموضع وهيكلة للمخاطر. الدولار القوي والفائدة المرتفعة أعادا رسم خريطة الاستثمار العالمية، ودفعا السيولة إلى البحث عن الحصون الأكثر متانة.
وفي مثل هذه المراحل، لا يكون النجاح من نصيب المستثمر الذي يندفع خلف العناوين المثيرة أو يبيع بدافع الخوف، بل من يقرأ التحولات مبكراً، ويدرك أن كل دورة اقتصادية تفرز رابحين جدداً وتمنح فرصاً مختلفة لمن يملك الصبر والرؤية والانضباط.
*خبير أسواق المال والاستثمار