في وداع الشاعر علي عبدالله خليفة
| نعمات مدحت
لقد كان للرحيل المفاجئ لشاعر البحرين الكبير علي عبد الله خليفة وقعُ الألم في نفوس كل من قرأ له، أو تعرّف عليه، أو تابع سيرته وذكراه وشعره ومواقفه وأدواره في الحياة.
علي عبد الله خليفة شاعر سبعيني، ويقولون ستيني، لكنني أراه أكثر نضجًا وحداثة، فقد أمكنه أن يكون شاعر بيئته، ونجم جيله، والمتحدث الرسمي باسم البحر. هذا هو شاعر البحرين الكبير الذي فارقنا منذ بضعة أيام، وهذه بعض الكلمات التي كان لا بد لها أن ترى النور ونحن نتحدث عن أيقونة شعرية كانت لها رسالة واضحة.
فالكتابة من أجل الكتابة فن للجميع، والكتابة من أجل الكتابة منظومة تراثية متكاملة، ولذلك كان أحد الحراس الخليجيين للشعر الشعبي الذي يوثق للتراث ويشرف على منظومته المتكاملة، سواء عندما كان يعمل في وزارة الثقافة في قطر، أو قبل أن يترك البحرين، وإن كان في الحقيقة لم يتركها يومًا.
فعندما أصدر في سبعينيات القرن الماضي مجلة “كتابات” الشعرية، كأول مجلة شعرية بحرينية بالجهود الذاتية، استقبل من خلالها شعراء الشباب العرب كافة، واحتفى بهم ونشر أعمالهم، ولم يبخل عليهم بمكافآت سخية قياسًا بأوضاع ذلك الزمن، ليعطي بذلك درسًا للذين يبخلون بالصرف على الثقافة والنشر الشعري في بلادنا، ويعتبرون ذلك النوع من الإنفاق تكلفة ثقيلة الظل.
لقد وضع علي خليفة قواعد أخلاقية للأعمال الأدبية، وللأسف لم تلتزم بها صحف هذه الأيام التي بخلت كل البخل على مكافأة المبدعين، وحرمتهم من الحياة الكريمة التي كان ينشدها ويعمل على ترسيخها.
وعندما أسس، مع الدولة البحرينية، مجلة “البحرين الثقافية”، ازدهرت في عصره، وكانت منافسًا قويًا لتلك المجلات التي تصدر من الشارقة العزيزة، كمجلة “الشارقة الثقافية”، التي تعد أحد المنابر الأدبية العربية المهمة التي تشجع المثقفين على الإبداع، ولم تشتكِ يومًا من أن المكافآت التي تمنحها للكتّاب لم تحظَ بجمهور واسع على أساس تجاري بحت، وليس من منطلق تنويري لأمة كادت تفقد هويتها وسط تجار الصحافة الهابطة.
وهؤلاء المدّعون بأنهم يراعون أصحاب القلم، يدعونهم إلى الكتابة المجانية في صحفهم، معتقدين أن هديتهم نعمة من عند الرب، وعلى الكتّاب أن يحمدوهم ويشكروهم عليها، وأن يديمها الله عليهم من الزوال والضياع وعالم الظلمات اللعين.
لقد كان علي خليفة صاحب رسالة، ويسبح دائمًا ضد التيار. فمن خلال مركز كانو الثقافي بالبحرين الحبيبة، تمكن من تحويل هذا المركز، وهو تحت رئاسته، إلى صالون أدبي يشبه صالونات الأدب العريقة في الوطن العربي، وساهم في انتشار وتدشين مئات الدواوين الشعرية والروايات، حتى أصبح ذلك المركز بمثابة المنبر الثقافي الخليجي الكبير الذي يحتضن الشعراء والمثقفين، ويعمل على الدوام ليكون قبلة للمثقفين من مختلف أنحاء الوطن العربي.
لقد كان الشاعر الراحل الكبير علي عبد الله خليفة نموذجًا لم يتكرر من الشعراء العمالقة الذين سبحوا ضد التيار، فلم يترك المجال لأنصاف المواهب وأشباه المبدعين كي يمنحوا أنفسهم الأوسمة والنياشين الوهمية.
وكانت مجلة “كتابات”، التي أدار تحريرها فترة من الزمن الشاعر المصري الكبير أمجد ريان، شاهدة على ذلك. فهو يروي بدموع كلماته العديد من اللقطات الإنسانية التي لم يبخل بها علي خليفة على كل مبدع حقيقي وأصيل، وعلى كل منشد للتغيير.
لقد كانت “كتابات البحرين”، أو “كتابات علي عبد الله خليفة”، واحةً واسعة لشباب جيله من المبدعين في مصر وسائر البلدان العربية، حيث احتضن الناقد والأديب السوري الكبير مروان سعد الدين، وعددًا من مؤسسي وأصدقاء جماعة “إضاءة 77” المصرية، عندما كانوا يعانون من شح النشر في مصر خلال ذلك الزمان.
ومعلوماتي المتواضعة التي جمعتها بصعوبة من رفقاء دربه كانت، وستظل، خير شاهد على ما أقول، وما يحاول غيري التعبير عنه رثاءً أو بكاءً عليه. فلم أجد نفسي في سرادق ذلك العزاء الكبير لأقدم تلك الدمعة الغالية له.
فقدناك يا أجمل الشعراء.