الذكاء الاصطناعي يكتب الخبر ويقدمه المؤثر: إلى أين تمضي الصحافة؟
| ياسر سليم
السؤال بالأمس كان: من يكتب الخبر؟ واليوم أصبح: من يملك انتباه القارئ؟ يتدفق المحتوى في عالمنا كالسيل الجارف، إذ لم تعد المؤسسات الصحافية تقف وحدها على بوابات المعرفة، ولم يعد الصحافي التقليدي الحارس الأوحد للحقيقة. تقرير معهد رويترز للصحافة الرقمية لعام 2026، الصادر مؤخرًا، يرسم خريطة زلزالية لتحول تاريخي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعلومة، وبين الجمهور ومن ينتج له رواية العالم. وشهدت العقود الماضية صعود الإنترنت على حساب الصحف الورقية، ثم صعود الهواتف الذكية على حساب شاشات التلفزيون، أما اليوم فنحن أمام تحول أكثر جذرية؛ انتقال السلطة من المؤسسة إلى الفرد، ومن المنصة إلى الخوارزمية، ومن الخبر بوصفه منتجًا إعلاميًّا إلى الخبر بوصفه تجربة شخصية مصممة خصيصًا لكل متلقٍ. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو باتت المصدر الأول للأخبار عالميًا، متجاوزة المؤسسات الإعلامية ذاتها. ما يجرى يتجاوز مجرد كونه منافسة في قنوات التوزيع، ليحدث انقلابًا في مفهوم الوساطة الإعلامية. فالجمهور الذي كان يبحث عن المؤسسة التي تخبره بما حدث، يفتش اليوم عن الشخص الذي يفسر له الحدث بلغة قريبة من وجدانه، ويمنحه شعورًا بالألفة والثقة والاندماج. ويعكس صعود صناع المحتوى السياسي والإخباري ظاهرة أعمق من مجرد تغير في الذوق الجماهيري؛ إنه تعبير عن توق الإنسان المعاصر إلى “أنسنة المعرفة”. فالمتلقي المرهق من الخطاب الرسمي الجامد بات يفضل الراوي على المذيع، والقصة على البيان، والتجربة الشخصية على اللغة المؤسسية الباردة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فكلما ازدادت التكنولوجيا تعقيدًا، ازداد بحث الإنسان عن الأصوات التي تبدو أكثر بشرية. لكن الزلزال الحقيقي يتمثل في دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب العملية الإخبارية. فعندما يحصل الملايين على الأخبار عبر روبوتات الدردشة التي تلخص الأحداث في ثوانٍ معدودة، فإننا لا نكون أمام أداة جديدة فحسب، بل أمام وسيط جديد ينافس الصحافة نفسها. لقد بدأ عصر “النقرة الصفرية”، حيث يستهلك المستخدم المعرفة دون أن يزور المصدر الذي أنتجها، فتتحول المؤسسات الإعلامية تدريجيًّا من وجهات نهائية للجمهور إلى مزودات خام للمعلومات التي تعيد الخوارزميات صياغتها وتوزيعها. وفي موازاة ذلك، يجتاح “تسونامي الفيديو” المشهد الإعلامي العالمي. فالمعركة تعدت جودة المحتوى وحدها، وباتت تدور حول القدرة على خطف الانتباه في الثواني الأولى من التصفح. وأصبحت القراءة المتأنية نشاطًا نخبويًّا في كثير من الأحيان، بينما تهيمن المقاطع المرئية القصيرة على المجال العام، مختزلة الأحداث المعقدة في لحظات بصرية سريعة الإيقاع. غير أن الخطر الأكبر ربما لا يكمن في هيمنة الفيديو أو الذكاء الاصطناعي، بل في تراجع الرغبة في متابعة الأخبار أصلًا. فارتفاع معدلات تجنب الأخبار يعكس حالة من الإنهاك المعرفي يعيشها الإنسان المعاصر، الذي يجد نفسه محاصرًا بسيل لا ينقطع من الأزمات والصراعات والضجيج الرقمي. لقد تحولت وفرة المعلومات، إلى أحد أسباب العزوف عنها. مع ذلك، فإن الحديث عن نهاية الصحافة يبدو سابقًا لأوانه. فكل تحول تقني كبير كان يُبشر بموت وسيلة إعلامية ما، لكن الواقع كان يكشف دائمًا عن قدرتها على إعادة اختراع نفسها. المستقبل لن يكون للآلة وحدها ولا للإنسان وحده؛ بل للشراكة الذكية بينهما. ستتفوق الخوارزميات في السرعة والتخصيص والمعالجة، بينما سيظل الإنسان متفردًا في الفهم العميق، والتحقيق الميداني، والقدرة على التقاط المعنى الإنساني المختبئ خلف الوقائع. في النهاية، قد تخسر المؤسسات الصحفية معركة التوزيع، وقد تفقد احتكارها التاريخي للخبر، لكنها لن تفقد ضرورتها ما دامت الحقيقة تحتاج إلى من ينقب عنها. وفي زمن يصبح فيه إنتاج المحتوى متاحًا للجميع، ستغدو الموثوقية هي العملة الأندر، وسيبقى السؤال الحاسم: من يستطيع أن يجعل الحقيقة أكثر حضورًا من الضجيج؟