هدية الحسين لقتلته!

| ياسمين خلف

ماذا أعطى الإمام الحسين بن علي عليهما السلام إلى البشرية بعد واقعة كربلاء؟ أقل ما يمكن أن نقول إن الحسين (ع) أعطى للبشرية جمعاء دروسًا في الكرامة، والحرية، والتضحية، والصبر، والانتصار للحق ضد الظلم، والتمسك بالأخلاق والقيم العظمى. وفي المقابل: ماذا أعطى لخصومه وقتلته؟ قد يبدو السؤال مستفزًّا؛ فماذا عسى الضحية أن يقدم للجاني؟ الحسين لم يكن شخصًا عابرًا في التاريخ فيُنسى كما نُسي غيره من الأمم السابقة، وكربلاء كواقعة لم تكن حربًا أو معركة احتد فيها الوطيس وقتل فيها من قتل فطواها النسيان والتاريخ! فسبط الرسول الأعظم جاء ليبقى أثره، وكربلاء حدثت لتترك عبرة عبر التاريخ ولكل البشرية. إلا أن حسابات هذه الواقعة، جاءت معاكسة تمامًا لحسابات المنتصرين فيها. فحين خرج الإمام الحسين إلى كربلاء، كان خصومه يملكون كل شيء تقريبًا، أما هو فكان يملك شيئًا واحدًا فقط: موقفه. وبلغة السياسة البحتة، لم تكن الموازين متكافئة. وكان المتوقع أن يُقتل، وتنتهي قصته! لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا. قتلوا الحسين نعم، لكنهم منحوه الخلود. والأعجب من ذلك أن الحسين منحهم – قتلته - أيضًا خلودًا من نوع آخر؛ خلودًا لم يسعوا إليه، ولم يتمنوه، ولم يتخيلوا أنهم سيحملونه إلى آخر الزمان! فخصوم الإمام الحسين، بقيت أسماؤهم حاضرة، لا لأنهم بنوا حضارة أو نشروا علمًا أو أقاموا عدلاً، بل لأنهم وقفوا في الجهة المقابلة للحق. لقد أعطى الإمام الحسين قتلته شهرة لم يكونوا ليستحقوها لولا وقوفهم ضده. لكنه في الوقت نفسه جرد تلك الشهرة من أي معنى نبيل. فصار ذكرهم مرتبطًا بما فعلوه، لا بما أرادوا أن يُعرفوا به! فأعظم ما أعطاه الإمام الحسين لخصومه أنه كشف حقيقتهم. الحسين لم يهزمهم في ساحة القتال، بل هزمهم في ساحة الوعي. وانتزع منهم القدرة على تبرير أفعالهم أمام ضمير الإنسانية. ومنذ ذلك اليوم، مازال الإمام الحسين ينتصر كل عام.

ياسمينة: الحسين لم يخلّد نفسه فقط، بل خلّد خصومه أيضًا، ولكن بوصفهم عبرة لا قدوة.