زلزال الشرعية الشرق أوسطية... الاتفاق الأميركي الإيراني وإعادة هندسة خرائط النفوذ
| محمد طلعت عبدالعزيز
لا تكمن خطورة الاتفاق الأميركي الإيراني في بنوده المعلنة، بل في الأسئلة التي أطلقها داخل البنية العميقة للنظام الإقليمي. فالشرق الأوسط لم يكن خلال العقود الماضية مجرد مساحة صراع بين دول متنافسة، بل كان نظاماً سياسياً كاملاً يقوم على شرعية محددة للقوة، وشرعية محددة للحماية، وشرعية محددة لإدارة التوازنات. وعندما تهتز هذه الشرعيات تبدأ التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل الخرائط قبل أن تعيد تشكيل الحدود. لقد اعتادت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة على معادلة مستقرة نسبياً قوامها أن الولايات المتحدة تمثل الضامن النهائي للأمن الإقليمي، وأن التحديات الكبرى مهما تعاظمت ستبقى محكومة بسقف الردع الأميركي. غير أن الانتقال من المواجهة إلى التفاوض بين واشنطن وطهران لم يفتح باب التسوية فقط، بل فتح باباً أكثر خطورة يتعلق بإعادة تقييم شرعية القوة ذاتها. فالقوة التي كانت تقاس سابقاً بقدرتها على فرض النتائج العسكرية أصبحت تقاس بقدرتها على إنتاج نظام سياسي مستقر ومستدام، وبقدرتها على إقناع الحلفاء والخصوم معاً بأنها مازالت قادرة على إدارة النظام الذي صنعته. ومن هنا بدأ الزلزال الحقيقي. فالتحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ عندما تخسر القوى العظمى حروبها، بل عندما تبدأ النخب والدول في إعادة حساباتها تجاه قدرة تلك القوى على الاستمرار في إنتاج النظام نفسه. وهنا تحديداً يظهر السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط خلال العقود القادمة: إذا كانت شرعية القوة الأميركية قد دخلت مرحلة إعادة تقييم، فمن سيملأ الفراغ الناتج عن هذا الاهتزاز؟ ومن سيملك حق تعريف قواعد اللعبة الجديدة؟. هذا السؤال يقودنا إلى الخليج العربي أولاً ودول مجلس التعاون وبناء توازنات ذاتية متعددة الطبقات تشمل الردع العسكري، والأمن الغذائي، والأمن المائي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والقدرات الصناعية والتكنولوجية. وهنا تنتقل المنطقة تدريجياً من مفهوم الحماية إلى مفهوم الشراكة في صناعة الأمن. ومن قلب هذه المعادلة الجديدة يبرز الدور السعودي باعتباره أحد أهم مفاتيح التوازن القادم. فالسعودية لم تعد مجرد قوة نفطية كبرى، بل تحولت إلى مركز جيواقتصادي يمتلك القدرة على التأثير في أسواق الطاقة والاستثمارات العالمية وسلاسل التمويل الدولية. وفي عالم تتراجع فيه فعالية بعض أدوات الردع التقليدي، تصبح الطاقة والاستثمار والقدرة على توجيه التدفقات الاقتصادية أدوات نفوذ مهمة. لذلك فإن السؤال لم يعد يتعلق بحجم إنتاج النفط، بل بالقدرة على تحويل ثقلها الاقتصادي إلى أحد أعمدة التوازن الدولي الجديد. ولعل الإشارات المبكرة التي طُرحت قبل سنوات بشأن إمكانية التعامل باليوان الصيني في بعض المبادلات النفطية لم تكن مجرد رسائل اقتصادية، بل مؤشرات على ولادة مفهوم جديد للردع الجيواقتصادي. ومملكة البحرين تمثل نموذجاً يقوم على هندسة الشرعية الدبلوماسية. ففي مراحل إعادة تشكيل الأنظمة الإقليمية ترتفع قيمة الدول القادرة على إدارة الحوار وإنتاج التفاهمات أكثر من قيمة الدول التي تكتفي بمراقبة التحولات. لهذا قد تجد المنامة نفسها أمام فرصة استراتيجية للعب دور يتجاوز الجغرافيا والديموغرافيا نحو المساهمة في إعادة تعريف العلاقة بين الخليج والقوى الكبرى ضمن بيئة دولية أكثر سيولة وتعقيداً. أما الإمارات فتتحرك على خط توازن. فالعالم الذي يولد بعد الاتفاق الأميركي الإيراني لن تحكمه الجيوش وحدها، بل ستحكمه أيضاً الموانئ، والمراكز المالية، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي. ومن هنا تتزايد أهمية النموذج الإماراتي بوصفه نموذجاً يحول الجغرافيا الاقتصادية إلى مصدر نفوذ سياسي واستراتيجي. فالممرات التجارية أصبحت جزءاً من معادلات الأمن، واللوجستيات أصبحت جزءاً من معادلات الردع، والبيانات أصبحت جزءاً من معادلات السيادة. وعندما ننتقل إلى مصر تتغير طبيعة السؤال مرة أخرى. فمصر لا تمثل مجرد دولة عربية مركزية، بل تمثل أحد أهم عناصر العمق الاستراتيجي العربي. وفي أية بيئة إقليمية جديدة سيعاد طرح سؤال التوازن العسكري والبشري والديموغرافي. كما ستصبح ملفات الاستثمار والتنمية جزءاً من حسابات القوة لا مجرد ملفات اقتصادية منفصلة. وقد تدفع التحولات الراهنة إلى إعادة تعريف العلاقة الخليجية المصرية وفق مفاهيم أكثر ديناميكية تقوم على التموضع المشترك وتبادل الأدوار وتعزيز قدرات الانتشار والردع، بما يجعل الأمن العربي أكثر قدرة على التكيف مع بيئة إقليمية متغيرة. وفي الجهة المقابلة يتحرك العامل التركي. فالتاريخ الجيوسياسي يعلمنا أن الفراغات لا تبقى فارغة، وأن كل اهتزاز في موازين النفوذ يخلق مساحات جديدة للحركة. ومن هنا تبدو أنقرة مرشحة لمحاولة توسيع حضورها في الملفات الممتدة من سوريا والعراق إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت تركيا ستتحرك، بل أي نموذج ستقدمه لهذا التحرك: نموذج الدولة الإقليمية التقليدية أم نموذج النفوذ الحضاري والسياسي القادر على إعادة إنتاج نفسه بأدوات تتناسب مع القرن الحادي والعشرين. غير أن المشهد لا يقتصر على اللاعبين الإقليميين فحسب. فخلف كل هذه التحولات يقف سؤال أكبر يتعلق بموقع روسيا والصين داخل النظام الدولي الآخذ في التشكل. فكل اهتزاز يصيب مركزية النفوذ الأميركي يخلق فرصاً جديدة أمام القوى المنافسة. وقد لا يكون أكبر المستفيدين من أي اتفاق هم أطرافه المباشرون، بل الأطراف القادرة على استثمار نتائجه في إعادة توزيع النفوذ العالمي. ومن هنا تتحول موسكو وبكين من مراقبين للأحداث إلى فاعلين في عملية إعادة هندسة التوازنات الدولية نفسها. وهنا تبرز فرضية جديدة لم تكن مطروحة بالوضوح نفسه قبل سنوات: هل يتجه الخليج نحو بناء شراكات استراتيجية أكثر تنوعاً مع الشرق؟ وهل يمكن أن نشهد مستقبلاً ترتيبات أمنية أو اقتصادية أو تكنولوجية جديدة تشارك فيها قوى آسيوية كبرى بهدف حماية الممرات البحرية وضمان استقرار سلاسل الطاقة والتجارة؟ إن مجرد طرح هذا السؤال يعكس حجم التحول الذي أصاب البيئة الاستراتيجية الإقليمية. وفي الوقت نفسه تتعرض منظومة الناتو لاختبار غير مباشر. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بحجم القوة العسكرية الغربية، بل بمدى قدرة هذه القوة على الحفاظ على شرعيتها السياسية والنفسية في نظر الحلفاء والخصوم معاً. فالتاريخ يثبت أن القوة تبدأ بالتراجع عندما تفقد قدرتها على إقناع الآخرين بأنها قادرة على الاستمرار في أداء الدور الذي منحها شرعيتها في الأصل. لكن أخطر ما كشفته التحولات الراهنة أن الأمن لم يعد مفهوماً عسكرياً صرفاً. فالدول التي تملك الصواريخ ولا تملك الغذاء، أو تملك الجيوش ولا تملك المياه، أو تملك الثروة ولا تملك سلاسل الإمداد، تظل معرضة للهشاشة الاستراتيجية مهما بلغت قوتها. ولذلك يتحول الأمن الغذائي والمائي والدوائي وأمن الطاقة إلى خطوط دفاع أولى لا تقل أهمية عن الحدود والقواعد العسكرية. ويرتبط بذلك توازن أكثر حساسية يتمثل في الممرات البحرية. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى قناة السويس، تتشكل شرايين الاقتصاد العالمي. وأية إعادة توزيع للنفوذ في هذه الممرات تعني إعادة توزيع للنفوذ في التجارة والطاقة والاقتصاد العالمي بأكمله. ولهذا فإن الصراع على الممرات ليس صراعاً جغرافياً فحسب، بل صراع على التحكم في تدفقات القوة ذاتها. وفي قلب كل ذلك يبرز عامل جديد لم يكن حاضراً بالقدر نفسه في العقود السابقة، وهو الذكاء الاصطناعي والحرب الإدراكية السيبرانية. فالقوة الحديثة لا تقتصر على امتلاك السلاح، بل تشمل امتلاك القدرة على تشكيل الإدراك العام وصناعة الرواية المهيمنة وإدارة البيانات والمعلومات. ومن ينجح في التحكم بالإدراك قد يحقق من النفوذ ما تعجز عن تحقيقه القوة العسكرية المباشرة. وهنا نصل إلى التوازن الأكبر الذي يربط جميع التوازنات السابقة ببعضها البعض: توازن الشرعية. فالولايات المتحدة وإيران والخليج والسعودية ومصر وتركيا وروسيا والصين لا تتنافس فقط على النفوذ، بل تتنافس على حق تعريف المستقبل. ومن يمتلك القدرة على تحويل قوته إلى شرعية، وشرعيته إلى نظام مستقر، ونظامه المستقر إلى نفوذ طويل الأمد، سيكون الأقدر على قيادة المرحلة المقبلة. وهنا ينبغي إعادة صياغة السؤال. فبدلاً من السؤال التقليدي: من انتصر في الحرب؟ يصبح السؤال الأكثر أهمية: من سيرث شرعية تشكيل الشرق الأوسط القادم؟ وكيف سيتم التعاطي مع هذه الشرعية الجديدة؟ ووفق أي منظور ستُدار توازنات قوى الشرق الأوسط الجديد في ظل التحولات المتسارعة والتقلبات الجيوسياسية العالمية؟ وبين القوة والشرعية تتحدد هوية الفاعلين الجدد، وتتشكل خرائط النفوذ المقبلة، وتُرسم حدود الأدوار الإقليمية والدولية. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في قراءة نتائج الحرب الماضية، بل في فهم طبيعة النظام الذي يولد من رحمها. ويبقى السؤال المفتوح أمام صناع القرار والنخب الاستراتيجية ومراكز الفكر والدراسات: هل نشهد إعادة توزيع للقوة فحسب، أم أننا أمام زلزال شرعية يعيد تعريف قواعد اللعبة الجيوسياسية بأكملها؟.
كاتب بحريني