تقييد وسائل التواصل للأطفال... ضرورة وطنية لا خيار تربوي
| أحمد عمران
في ظل التوجه العالمي المتزايد لحماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي، اتخذت العديد من الدول كبريطانيا والإمارات مؤخرا خطوات جريئة بفرض قيود على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون الـ 15 عاماً، ويستند هذا التوجه إلى قناعة متنامية بأن الطفولة يجب أن تكون مرحلة للنمو والتعلم وبناء الشخصية، لا مرحلة للانشغال بالشاشات والانغماس في عالم افتراضي يفوق قدرة الأطفال على استيعاب مخاطره.
فمنصات التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة خصبة للابتزاز الإلكتروني والتنمر والاستغلال الأخلاقي، كما أنها تتيح للمجرمين الوصول إلى الأطفال واستدراجهم بوسائل مختلفة. كما تدفع بعض الأطفال إلى متابعة محتويات وأفكار وقضايا تتجاوز مستوى وعيهم ونضجهم الفكري، بما في ذلك الجدل السياسي والمحتويات المثيرة للانقسام أو التفاهة التي تستهلك الوقت دون فائدة حقيقية، وربما تجذبهم لتبني أفكار دخيلة أو منحرفة أو ذات طابع متشدد.
وتتفاقم المشكلة مع السهر الطويل الذي تشجعه هذه المنصات، حيث يقضي كثير من الأطفال ساعات متأخرة من الليل في التصفح والمشاهدة بعيدا عن رقابة الوالدين، ما يؤثر سلبا على جودة النوم والتركيز والتحصيل الدراسي والصحة النفسية. كما يؤدي الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية إلى الخمول البدني وارتفاع معدلات السمنة وضعف نمو العظام والعضلات نتيجة قلة الحركة وممارسة الأنشطة الرياضية. أما على المستوى التعليمي، فإن إبعاد الأطفال عن التفاعل مع منصات التواصل في هذه المرحلة العمرية يمنحهم فرصة أكبر للتركيز على الدراسة والقراءة واكتساب المهارات والمعارف النافعة، بدلا من الانشغال بالمحتوى التافه أو متابعة المؤثرات السلبية التي تشتت الانتباه وتضعف الدافعية للتعلم. كما يسهم ذلك في تشجيعهم على الانخراط في الرياضة والهوايات والأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تبني شخصياتهم وتنمي قدراتهم الحسية والحركية والاجتماعية. إن أطفال اليوم هم ثروة البحرين الحقيقية ومستقبلها، لذلك فإن حمايتهم من المخاطر الرقمية لم تعد مسؤولية الأسرة والمدرسة فقط، بل أصبحت مسؤولية وطنية تتطلب تشريعات وإجراءات واضحة. ومن هنا، فإن دراسة فرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون الـ 15 عاما تمثل خطوة ضرورية لحماية صحتهم وتعليمهم ونموهم السليم. فحماية الطفولة من الإدمان الرقمي والتنمر والاستغلال ليست خيارا تربويا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية تستدعي التحرك قبل فوات الأوان.
كاتب بحريني