ما حسمته الأمم المتحدة واعترفت به إيران نفسها لن تنقضه صحيفة كيهان بمقالين

| إبراهيم علي الهاشمي

لم تمض سوى فترة وجيزة حتى انتقل رئيس تحرير صحيفة كيهان الإيرانية حسين شريعتمداري من مقال بعنوان (لماذا لا نستعيد البحرين؟) إلى مقال آخر بعنوان (لا تتركوا مواطنينا البحرينيين منتظرين)، في انتقال يكشف بوضوح أن المقالين لم يكونا سوى حلقتين في خطاب واحد، بدأ بالتشكيك في سيادة مملكة البحرين، وانتهى إلى تصوير البحرينيين على أنهم مواطنون إيرانيون ينتظرون تحرك الدولة الإيرانية.

غير أن المشكلة الأساسية في المقالين لا تكمن في حدتهما السياسية، وإنما في افتقارهما إلى أي أساس قانوني يمكن أن يسند ما ورد فيهما من مزاعم. فشريعتمداري يكرر أن البحرين جزء من إيران، وأن انفصالها كان غير مشروع، وأن شعب البحرين يرغب في العودة إلى إيران، لكنه يتجنب الإجابة عن السؤال الذي يقوض جوهر طرحه من أساسه: إذا كانت البحرين جزءًا من إيران كما يزعم، فلماذا اعترفت إيران رسميًا باستقلالها؟

إن التناقض الجوهري في طرح شريعتمداري لا يكمن في قراءته للتاريخ، وإنما في تجاهله للموقف الرسمي لدولته. فحتى لو سلم جدلًا بصحة الروايات التاريخية التي يستند إليها، فإن اعتراف إيران الرسمي باستقلال البحرين يبقى حقيقة قانونية لا يمكن تجاوزها. فالاعتراف في القانون الدولي ليس موقفا سياسيا عابرا، بل تصرف قانوني سيادي تترتب عليه آثار قانونية ملزمة.

وقد ترسخ المركز القانوني الدولي للبحرين عندما أيد مجلس الأمن الدولي في قراره رقم (278) لسنة 1970 نتائج تقرير الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بشأن البحرين، والذي خلص إلى أن الإرادة الشعبية لأهالي البحرين تتمثل في إقامة دولة عربية مستقلة ذات سيادة كاملة. وقد قبلت إيران رسميًا تلك النتيجة، وأعقب ذلك إعلان استقلال البحرين في 14 أغسطس 1971، كما أصبحت البحرين عضوا في الأمم المتحدة عام 1971، وهو ما يمثل اعترافا دوليا جامعا بشخصيتها القانونية الدولية وسيادتها المستقلة، لتتعامل إيران بعد ذلك مع البحرين طوال أكثر من خمسة عقود بوصفها دولة مستقلة كاملة السيادة، وأقامت معها علاقات دبلوماسية.

وإذا كان شريعتمداري يصف قبول الشاه بنتائج الأمم المتحدة بأنه خيانة، فإن الأوصاف السياسية لا تلغي الآثار القانونية، ولا تنقض الاعترافات الرسمية الصادرة عن الدول. فالعبرة في القانون الدولي ليست بالتوصيفات اللاحقة، وإنما بالتصرفات الرسمية التي رتبت آثارها القانونية واستقرت عليها العلاقات الدولية لعقود طويلة.

ولم يقتصر الأمر على الاعتراف الرسمي فحسب، بل تعاملت إيران طوال العقود الماضية مع البحرين بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة، من تبادل التمثيل الدبلوماسي وإبرام الاتفاقيات الثنائية إلى التعاون في المنظمات والمحافل الدولية والإقليمية. وهو ما يؤكد أن هذا الاعتراف لم يكن موقفا مؤقتا أو ظرفيا، بل أصبح جزءا من واقع قانوني ودولي مستقر.

ومن المبادئ الراسخة في القانون الدولي أن الدولة لا يجوز لها التنصل من الآثار القانونية المترتبة على مواقفها وتصرفاتها الرسمية التي استقر عليها المجتمع الدولي، وهو ما يعرف بمبدأ عدم جواز التناقض مع التصرفات السابقة (قاعدة الاستوبل). ولذلك فإن أي محاولة للالتفاف على الاعتراف الإيراني باستقلال البحرين لا تمثل خلافا مع البحرين فحسب، بل تمثل تناقضا مع الموقف الرسمي الذي التزمت به إيران نفسها أمام المجتمع الدولي.

أما الادعاء المتكرر بأن البحرينيين ينتظرون الانضمام إلى إيران، فهو ادعاء يفتقر إلى أبسط مقومات الإثبات. فلا توجد استطلاعات رأي موثقة، ولا دراسات مستقلة، ولا أي أدلة موضوعية يمكن الاستناد إليها لإثبات هذا الزعم. والدعاوى الكبرى لا تثبت بالشعارات أو الأمنيات، وإنما بالأدلة والوقائع المعتبرة.

إن مملكة البحرين دولة عربية مستقلة ذات سيادة كاملة، وقد حافظت أسرة آل خليفة منذ تأسيس الدولة الحديثة على استقلال البحرين وسيادتها ووحدتها الوطنية، ورسخت هويتها العربية ومكانتها الإقليمية والدولية.

وخلاصة القول إن ما أيدته الأمم المتحدة واعترفت به إيران رسميًا طوال أكثر من خمسة عقود، لن ينجح حسين شريعتمداري في نقضه بمقالين في صحيفة كيهان. فسيادة البحرين ليست محل جدل، وعروبتها ليست موضع نزاع، واستقلالها حقيقة قانونية وسياسية راسخة اعترف بها العالم أجمع، بما في ذلك الدولة التي يحاول شريعتمداري التحدث باسمها.

ولهذا فإن مقالين كتبهما شريعتمداري لا يغيران من الحقيقة القانونية شيئًا، فسيادة البحرين لم تنشئها مقالات صحفية حتى تنقض بمقالات صحفية، وإنما كرستها إرادة شعبها، وأكدتها الأمم المتحدة، واعترفت بها إيران نفسها قبل غيرها.

فالبحرين دولة عربية مستقلة ذات سيادة كاملة، ثبتت بإرادة شعبها، ورسختها الشرعية الدولية، وأقر بها المجتمع الدولي منذ أكثر من نصف قرن، وستبقى كذلك مهما تعددت المقالات أو تكررت الادعاءات.