ثقافة “الأربعون” يومًا

| الدكتور عبدالقادر المرزوقي

الثقافة آلة تشكل هوية الإنسان، ولا تعمل تلك الآلة في فراغ، فلابد من وجود مكونات ترفد تلك الثقافة، ولقد عرفت البحرين في تاريخها القديم والحديث بإرثها الثقافي بما يحمل من حمولات تاريخية ودينية وسياسية، وهو ما جعل البحرين علامة فارقة في المشهد الثقافي. إنّ هذا المخزون الفكري والمعرفي هو مخزون متجذر في تربة البحرين، هذه التربة التي تضرب بجذورها في أعماق الماء، فهي جذور نضرة ومتجددة على الدوام لا تعرف الجفاف أو الانكفاء. إنّ الأربعين يومًا التي خيّمت على أجواء البحرين لم تكن إلا منابع إلهام وعزيمة ورؤى فكرية أوضحت للعالم مدى تجذر الوعي لدى الإنسان البحريني، فالأربعون يومًا علامة فصل جديد في كيان ثقافة البحرين، فالأدب هو تعبير عن حالات الإنسان اليومية، وتعبير عن مشاعر الخوف من فقد حضن الأم الدافئ، تعبير عن الأمن والأمان والعيش في سلام وطمأنينة، كما أنها الحد الفاصل بين الجد واللعب. إنّ القلم بما يحمل من مداد يرسم لوحة بالحرف يشكّل صورة مليئة بالنضارة والوعي الفكري والالتزام الوطني بالحرف والكلمة التي ترسم في الوقت ذاته قامة الإنسان البحريني بما يحمل من إرث يباهي به التاريخ الحديث، ويسجّل ملحمة الصمود التي لا نظير لها، تلك الملحمة التي جذّرت مفهوم المواطنة بما يكتنزه من تطبيق عملي في الأربعين يوما، والتي سقطت على صخرة صمود شعب البحرين. بهذا المعنى فإنّ الكلمة لابد ألا تبحث عن سطح الحدث فحسب، بل عليها أن تتجه إلى ما وراء الحدث، إلى الفعاليات الثقافية التي تنسج الخطاب الثقافي والإبداعي، وتعيد إنتاجه بوصفه صورة وتمثيلا لصراع الهوّية مع عالم تتلاطم أمواجه بسرعة وبصورة تجرف معه من لا يضرب مدامك هوّيته وتمسكه بوطنه في أعماق وعيه الوطني.  

ومن هذا المنظور، يغدو الفعل الثقافي والإبداعي أفقًا مفتوحًا يكشف ويؤرخ للأربعين يومًا وللأحداث التي رافقت تلك الفترة، ومبيّنا أنّ ما استفزّ المواطن البحريني ليس موقفا شكليا، بل هو امتداد لوعي تاريخي واجتماعي وإيمان جمعي مشبّع بقيم وثقافة تحددان إدراكه بوطنه ومن ثمّ بالعالم من حوله، ولعل ما مرّت به البحرين والحراك الثقافي في تلك الفترة من تاريخها المعاصر تدفع بالمشهد الثقافي إلى رسم الكيفية التي يتخلق فيها الفعل الإبداعي داخل النسيج الحكائي نثرًا وشعرًا بوصفها القوة المكوّنة للرؤى والوعي لا كزينة خارجية أو خلفية مضافة للوحة باهتة. وفي ضوء ذلك ينبثق الأمل الثقافي واسعا من خلال منطقه الداخلي يحكم حركته السردية، ليعيد ويجدد علاقته بالواقع في مشهد ثقافي تتقاطع فيه الكلمة مع الوعي، والحكي مع التاريخ، فتقرأ كيف يعاد إنتاج الولاء والانتماء، وكيف يعلو حب الوطن كقيد على الفرد، وكيف يتحول الحرف والكلمة واللوحة والنغمة الموسيقية إلى أداة ضبط اجتماعي ووطني، تتساوق مع حركة إيقاع الوطن في حركته اليومية من أجل تعزيز بناء وعي الإنسان البحريني من خلال تلك الأزمة التي اجتاحت الوطن.

باحث وناقد أكاديمي