هل يوجد فن تشكيلي معاصر؟ بين المصطلح والتاريخ ونقد المفهوم

| شيرين فريد

عزيزي القارئ ، عندما نستخدم مصطلح "الفن التشكيلي المعاصر" فإننا لا نصف مجرد فن أُنتج في زمننا الحالي، بل نشير إلى مفهوم نقدي وتاريخي نشأ نتيجة تحولات عميقة في مسار الفن منذ القرن العشرين. وهنا يبرز سؤال مهم: هل يوجد فعلاً فن تشكيلي معاصر مقابل فن غير معاصر؟ أم أن كلمة "معاصر" أصبحت تصنيفاً تاريخياً أكثر من كونها حكماً على قيمة العمل الفني؟ إن مفهوم الفن التشكيلي ارتبط تاريخياً بالفنون التي تعتمد على التشكيل البصري مثل الرسم والنحت والحفر والخزف، وهي فنون تقوم على بناء العلاقة بين الشكل والمادة واللون والفراغ. وقد أوضح مؤرخ الفن أرنست غومبريتش في كتابه قصة الفن أن تاريخ الفن ليس سلسلة من الأساليب المنفصلة فقط، بل هو تاريخ تطور الأفكار والرؤى الإنسانية، حيث يعكس كل عصر طريقة الإنسان في فهم العالم من حوله. أما مصطلح "المعاصر" في الفن فقد بدأ يأخذ دلالته الخاصة مع التحولات التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً مع ظهور اتجاهات تجاوزت مفهوم اللوحة التقليدية مثل الفن المفاهيمي وفنون الأداء والتجهيز في الفراغ والفنون الرقمية. ويؤكد الناقد والمؤرخ آرثر دانتو في كتابه بعد نهاية الفن أن الفن المعاصر لم يعد مرتبطاً بشكل واحد أو أسلوب محدد، بل أصبح مرتبطاً بفكرة السؤال حول ماهية الفن وحدوده ودوره الثقافي. ومن هنا فإن كلمة "معاصر" لا تعني بالضرورة أن العمل أكثر تطوراً أو أفضل من الأعمال السابقة، بل تعني أنه مرتبط بسياق فكري وتاريخي معين. فقد يرى تيري سميث في كتابه ما هو الفن المعاصر؟ أن المعاصرة في الفن ترتبط بوعي الفنان بالزمن الذي يعيش فيه، وبقدرته على التعبير عن القضايا والأسئلة التي تشغل الإنسان في الحاضر، مثل الهوية والعولمة والذاكرة والتحولات الاجتماعية. لكن يبقى السؤال: هل يوجد فن غير معاصر؟ من الناحية الأكاديمية نعم، فهناك تصنيفات مثل الفن القديم، وفن العصور الوسطى، والفن الحديث، والفن المعاصر، وهي تقسيمات تساعد الباحثين على فهم التحولات التاريخية. إلا أن هذه التصنيفات لا تعني أن الفن القديم فقد قيمته أو حضوره؛ فعمل فني من عصر النهضة يمكن أن يحمل أفكاراً ما زالت حاضرة في الوعي الإنساني اليوم، بينما قد يكون عمل حديث زمنياً لكنه لا يقدم رؤية تتجاوز اللحظة. وهنا تظهر أهمية نقد الفن التشكيلي، فالنقد ليس مجرد إصدار حكم على العمل بأنه جميل أو غير جميل، بل هو تحليل للغة العمل وعلاقته بالسياق التاريخي والثقافي والفكري. وتشير الناقدة روزاليند كراوس في كتابها أصالة الطليعة وأساطير الحداثة الأخرى إلى أن الفن الحديث والمعاصر أعادا التفكير في طبيعة العمل الفني، فلم يعد الشكل وحده هو مركز الاهتمام، بل أصبحت الفكرة والسياق وطريقة تقديم العمل جزءاً من معناه. لذلك فإن الفن التشكيلي المعاصر ليس مجرد استخدام مواد جديدة أو تقنيات حديثة، بل هو موقف فكري وفني تجاه العصر. فالمعاصرة لا تُقاس بالزمن فقط، وإنما بقدرة الفنان على طرح أسئلة جديدة، وإنتاج خطاب بصري يحمل وعياً بالإنسان والمجتمع والتاريخ. ومن هنا يصبح مصطلح "الفن المعاصر" أداة لفهم مرحلة فنية وفكرية، وليس بديلاً عن قيمة الفن أو معياراً للحكم عليه.