من الأوبوا الفرنسية إلى الليوة الخليجية: رحلة صوت تجمع بين الحضارات

| د.مصطفى العربي

تبدو الموسيقى في ظاهرها عوالم متباعدة؛ تختلف في ألحانها وآلاتها وطرق أدائها، إلا أن التأمل في تاريخ الآلات الموسيقية يكشف عن جسور خفية تربط بين الثقافات والشعوب. ومن أجمل هذه الروابط العلاقة التاريخية والفنية بين آلة الأوبوا التي تحتل مكانة بارزة في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، وآلة الصرناي التي تُعد من العناصر الأساسية في فن الليوة الخليجي. تُعد آلة الأوبوا واحدة من أهم آلات النفخ الخشبية في الأوركسترا السيمفونية، وتمتاز بصوتها الدافئ والواضح وقدرتها على التعبير عن الجمل الموسيقية الدقيقة. وتعتمد هذه الآلة على ريشة مزدوجة تهتز لإنتاج الصوت، وهي الخاصية التي تمنحها طابعها الصوتي المميز. إلا أن الأوبوا بشكلها الحديث لم تظهر بصورة مفاجئة، بل جاءت نتيجة تطور تاريخي طويل لآلات نفخ أقدم كانت منتشرة في مناطق مختلفة من العالم. ومن بين هذه العائلة التاريخية تبرز آلة الصرناي، وهي آلة نفخ شعبية ذات ريشة مزدوجة تتميز بصوت قوي وحاد، يناسب الاحتفالات والمناسبات الجماعية والأداء في الأماكن المفتوحة. وقد ارتبطت الصرناي في الخليج بفن الليوة، وهو أحد الفنون الشعبية العريقة التي وصلت إلى المنطقة عبر حركة التواصل البحري والهجرات والتبادل الثقافي مع سواحل شرق أفريقيا، ثم أصبحت جزءاً مهماً من الهوية الموسيقية في البحرين ودول الخليج العربية. رغم الاختلاف بين فضاء الأوركسترا السيمفونية الغربية وفضاء الليوة الشعبي، فإن الرابط بين الأوبوا والصرناي يكمن في البناء الصوتي والتقني المشترك، خصوصاً استخدام الريشة المزدوجة. وتشير دراسات تاريخ الموسيقى وآلات النفخ إلى أن تطور العديد من الآلات الأوروبية، ومنها الأوبوا، ارتبط بعائلة آلات قديمة مثل الشَوم التي انتشرت في أوروبا والشرق الأوسط ، وهي قريبة في تركيبها من الصرناي والآلات الشعبية المشابهة لها.  وهذا التقارب لا يعني أن الأوبوا والصرناي آلة واحدة، فلكل منهما مسار تاريخي ووظيفة ثقافية مختلفة؛ فالأوبوا أصبحت جزءاً من النظام الموسيقي الأكاديمي الغربي، بينما حافظت الصرناي على حضورها في الذاكرة الشعبية والاحتفالات الخليجية. لكنهما يلتقيان في حقيقة أعمق: أن الصوت الموسيقي ينتقل بين الشعوب ويتغير دون أن يفقد جذوره. إن رحلة الأوبوا والصرناي تكشف أن الموسيقى ليست حدوداً منفصلة بين الشرق والغرب، بل حوار مستمر بين الحضارات. فالآلة قد تنتقل من بيئة إلى أخرى، لكنها تحمل معها ذاكرة الإنسان وتجاربه واحتفالاته وأحلامه. ومن هنا يصبح التراث الشعبي ليس ماضياً منغلقاً، بل مصدراً مستمراً للتطور والإبداع. ولعل عازف الأوبوا الخليجي يجد في الصرناي رابطاً خاصاً، ليس فقط بسبب التشابه في طريقة إنتاج الصوت، بل لأنها تذكّر بأن الموسيقى الأكاديمية والتراث الشعبي ينتميان إلى قصة إنسانية واحدة؛ قصة البحث الدائم عن التعبير من خلال الصوت. ملاحظة للقاريء،هذا البحث من واقع دراستي للتراث الموسيقي الخليجي حول فن الليوة وآلاته الشعبية *أستاذ أكاديمي بحريني متخصص وباحث في الموسيقي