الأجندة الاقتصادية الخليجية في فترة التفاوض الأميركي - الإيراني

| د. إحسان علي بوحليقة

تمثل فترة الستين يوما التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026 فرصة تاريخية لدول مجلس التعاون الخليجي لإعادة صياغة أجندتها الاقتصادية وتفعيلها بقوة، فقد كشفت الحرب عن هشاشة الاعتماد المفرط على مضيق هرمز كممر وحيد لتصدير الطاقة، وأكدت أن الأجندة الاقتصادية الخليجية التي ظلت تتقدم بخطى بطيئة لعقود قد آن أوان تسريعها وإطلاقها نحو قفزة نوعية جديدة.  هذه الفترة ليست مجرد مرحلة انتقالية لاستقرار الأسواق، بل هي لحظة استراتيجية لبلورة فرص اقتصادية متكاملة تربط دول المجلس لوجستياً وطاقياً، مع الاستفادة من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لتعزيز التنافسية والمرونة، فلقد أثبتت التجربة أن الاعتماد على ممر مائي واحد يشكل نقطة اختناق استراتيجية، مما دفع دول المجلس إلى تسريع مشاريع التنويع التي كانت قيد الدراسة أو التنفيذ البطيء.  وفي مقدمة هذه الأجندة يأتي البعد الطاقي، حيث أصبحت خطوط الأنابيب العابرة للحدود والمتصلة بالبحر الأحمر والساحل الشرقي أولوية قصوى. وتكتسب مشروعات مثل توسعة خط الشرق - الغرب السعودي وخط حبشان - الفجيرة الإماراتي، إلى جانب الخطوط الجديدة المخطط لها، أهمية استراتيجية كبرى لأنها لا تقتصر على تجاوز المضيق فحسب، بل تخلق شبكة طاقية متكاملة تربط دول المجلس وتضمن استقرار الإيرادات.  وعلى الصعيد اللوجستي، تبرز فرص ربط دول المجلس عبر شبكات نقل متكاملة تشمل خطوط الأنابيب والموانئ والطرق البرية والبحرية البديلة، مما يحول المنطقة إلى مركز لوجستي عالمي يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا. أما البعد الرقمي والذكاء الاصطناعي فيشكل المحرك الرئيس لهذه القفزة، من خلال تفعيل مشاريع مشتركة في إدارة الشبكات الطاقية واللوجستية بالذكاء الاصطناعي، وتطوير منصات رقمية موحدة للتجارة والتوريد بين الدول الأعضاء. ومع استقرار الأوضاع نسبياً خلال الستين يوما، يصبح مناسباً التركيز على بلورة الفرص الاستثمارية الخليجية على المستويين العام والخاص، لاسيما التي برزت واستجدت بتداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية، ما يستدعي تجهيز ملفات الفرص وعقد منتدى موسع لعرض ومناقشة تلك الفرصة الاستثمارية، سواء من المستثمرين المحليين أو الأجانب بما يساهم في تحقيق قفزة اقتصادية جديدة تضمن أن المغناطيس الاقتصادي الأبرز في المنطقة هو تكتل دول مجلس التعاون الخليجي، وسيبقى كذلك، فالدرس الأبرز المستفاد من هذه الحرب هو أن الأجندة الاقتصادية الخليجية التي كانت تتقدم بخطى متحفظة لعقود وكأنها تمتلك الوقت كله، قد آن لها أن تنشط وتنطلق حاثة  عجلة الإنجاز بزخم أكبر، لتحويل التحديات إلى فرص استراتيجية حقيقية تعزز التكامل الخليجي وتضع المنطقة في موقع الريادة الإقليمية والعالمية. 

 

‭*‬مؤسس‭ ‬مركز‭ ‬جواثا‭ ‬الاستشاري