مُلتقطـات

حوراءُ الطّف

| د. جاسم المحاري

تُظهرها‭ ‬الشرائع‭ ‬السماوية‭ ‬–‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬وحتى‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬–‭ ‬بأنّها‭ ‬“طوق‭ ‬النجاة”‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬مقولة‭ ‬أنّها‭ ‬“نصف‭ ‬المجتمع”‭ ‬في‭ ‬دورها‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬بمحيطها‭ ‬المجتمعي‭ ‬وبنائها‭ ‬الأسري‭ ‬وإدارة‭ ‬شؤونهما‭ ‬في‭ ‬أعظم‭ ‬الأدوار‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البناء‭ ‬وتعزيز‭ ‬استقراره‭ ‬وتربية‭ ‬أجياله‭ ‬وترسيخ‭ ‬قيمه‭ ‬وتحديد‭ ‬توجهاته،‭ ‬بموازاة‭ ‬غريمها‭ ‬الرجل‭ ‬حقوقًا‭ ‬وواجبات‭ ‬بمختلف‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والأدبية‭ ‬والعلمية‭ ‬وغيرها‭. ‬فهي‭ ‬مَنْ‭ ‬تتّحمل‭ ‬–‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬–‭ ‬مسؤولية‭ ‬التربية‭ ‬وتعليم‭ ‬الأخلاق‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬الشخصية‭ ‬المتوازنة‭ ‬السّوية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬عيشها‭ ‬الرّيفي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬سُكناها‭ ‬الحضري‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬المتوازن‭ ‬المزدهر‭.‬

ذاك‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الرخاء،‭ ‬فيما‭ ‬هي‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬المرأة‭ - ‬تترك‭ ‬أثرها‭ ‬العميق‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬أظهرت‭ ‬دورها‭ ‬الفاعل‭ ‬كعنصر‭ ‬صمود‭ ‬وثبات‭ ‬عبر‭ ‬إسهامها‭ ‬المؤثر‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬العمل‭ ‬الصحي‭ ‬والاستشفائي‭ ‬والإسعافي‭ ‬الأمامية،‭ ‬ودعم‭ ‬المتأثرين‭ ‬نفسيًا‭ ‬وعاطفيًا‭ ‬والتخفيف‭ ‬من‭ ‬معاناتهم‭ ‬وتحقيق‭ ‬تعافيهم‭ ‬حتى‭ ‬إنقاذ‭ ‬أرواحهم،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الإسناد‭ ‬الغذائي‭ ‬والدوائي‭ ‬والوقائي‭ ‬أثناء‭ ‬النزاعات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬التي‭ ‬ينتقل‭ ‬معها‭ ‬حال‭ ‬الإيقاع‭ ‬المستقر‭ ‬داخل‭ ‬جدران‭ ‬المنازل‭ ‬إلى‭ ‬الحال‭ ‬غير‭ ‬المستقر‭ ‬خارج‭ ‬أسوارها‭ ‬فيما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬“التنظيم‭ ‬العاطفي‭ ‬الجماعي”‭ ‬الذي‭ (‬يخنق‭) ‬تضخيم‭ ‬المخاوف‭ ‬ويُخفّف‭ ‬من‭ ‬حدّة‭ ‬القلق‭ ‬ويُصحّح‭ ‬الشائعات‭ ‬ويُؤكد‭ ‬فكرة‭ ‬الثبات‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الاضطراب‭ ‬بصناعة‭ ‬مساحات‭ ‬الأمان‭ ‬داخل‭ ‬أربعة‭ ‬الجدران‭.‬

نافلة‭:‬

“زينب”‭ ‬هو‭ ‬الاسم‭ ‬العربي‭ ‬الأصيل‭ ‬للشجرة‭ ‬طيبة‭ ‬الرائحة،‭ ‬حسنة‭ ‬المظهر‭. ‬كما‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬الأصيلة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬نُبل‭ ‬المعاني‭ ‬وعمق‭ ‬المدلولات؛‭ ‬بأنْ‭ ‬طغت‭ ‬حينئذٍ‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬الأسماء‭ ‬العربية‭. ‬كيف‭ ‬لا،‭ ‬وقد‭ ‬حملته‭ ‬شخصية‭ ‬تاريخية‭ ‬عظيمة‭ ‬عايشت‭ ‬جهاد‭ ‬جدّها‭ ‬وهي‭ ‬ابنة‭ ‬الخمس،‭ ‬وجمعت‭ ‬فيها‭ ‬فصاحة‭ ‬أبيها،‭ ‬وعفّة‭ ‬أمّها،‭ ‬وصبر‭ ‬وشجاعة‭ ‬أخويها‭ ‬الشقيقين،‭ ‬ووفاء‭ ‬أخيها‭ ‬غير‭ ‬الشقيق‭.

وكلّ‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬فسيحة‭ ‬من‭ ‬تصارع‭ ‬الحسرات‭ ‬وتغاصُص‭ ‬الآلام‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بالأمّة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬جدّها‭ ‬الأكرم‭ (‬ص‭)‬،‭ ‬وإبّان‭ ‬نهضة‭ ‬أخيها‭ ‬الشهيد‭ (‬ع‭) ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬واقعة‭ ‬الطّف‭ ‬الفجيعة‭ ‬بكربلاء‭ - ‬في‭ ‬10‭ ‬محرم‭ ‬سنة‭ ‬61‭ ‬هـ،‭ ‬الموافق‭ ‬12‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬680م‭ ‬–‭ ‬وحتى‭ ‬قيادتها‭ ‬البطولية‭ ‬للمسيرة‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬عظيم‭ ‬كفاءتها‭ ‬ومَلَكَة‭ ‬قيادتها،‭ ‬كي‭ ‬تبرز‭ ‬بعدئذٍ‭ ‬حوراء‭ ‬للطّف‭ (‬أي‭ ‬المرأة‭ ‬ذات‭ ‬الحضور‭ ‬المميز‭ ‬والشخصية‭ ‬المؤثرة‭ ‬بالوفاء‭ ‬والصدق‭) ‬كوسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الضغط‭ ‬أثناء‭ ‬وبعد‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬الخالدة‭ ‬التي‭ ‬أعطت‭ ‬فيها‭ ‬الزخم‭ ‬المعنوي‭ ‬في‭ ‬شحذ‭ ‬همم‭ ‬الأنصار‭ (‬رض‭)‬،‭ ‬وحفظ‭ ‬بنات‭ ‬الرسالة‭ (‬ع‭) ‬بعد‭ ‬حرق‭ ‬الخيام،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬مجتمع‭ ‬الكوفة‭ ‬والشام‭ ‬الذكوري‭ ‬آنذاك،‭ ‬وكشف‭ ‬زيفه‭ ‬وفضح‭ ‬مخططاته؛‭ ‬بإعطاب‭ ‬ماكنته‭ ‬الإعلامية‭ ‬وتأليب‭ ‬رأيه‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بقاء‭ ‬الدين‭ ‬الحنيف‭ ‬وخلود‭ ‬الرسالة‭ ‬الحقّة‭.‬

 

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني‭ ‬