الموارد البشرية... ضحية سوء الفهم أم ضعف الممارسة؟

| أحمد عطية

‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬هي‭ ‬الإدارة‭ ‬المعنية‭ ‬بالأفراد‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الإدارات‭ ‬تعرضا‭ ‬للانتقاد‭. ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬47‭ % ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬لا‭ ‬يثقون‭ ‬بالموارد‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬النزاعات‭ ‬داخل‭ ‬العمل،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬كثيرون‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬مصالح‭ ‬المؤسسة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تمثيلها‭ ‬مصالح‭ ‬العاملين‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬45‭ % ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬إدارات‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬تهتم‭ ‬فعلا‭ ‬بالعاملين‭. ‬فهل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬ضحية‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭ ‬لدورها‭ ‬الحقيقي،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬المهنية‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬السلبية؟

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الإجابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الأمرين‭ ‬معا،‭ ‬فهناك‭ ‬اعتقاد‭ ‬شائع‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الموظفين‭ ‬بأن‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬تملك‭ ‬صلاحية‭ ‬اتخاذ‭ ‬جميع‭ ‬القرارات‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وعندما‭ ‬لا‭ ‬تتوافق‭ ‬النتائج‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬التوقعات،‭ ‬تتحول‭ ‬خيبة‭ ‬الأمل‭ ‬إلى‭ ‬انتقاد‭ ‬مباشر‭ ‬للموارد‭ ‬البشرية‭.‬

وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬نفسها‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬انعكاس‭ ‬لثلاثة‭ ‬أمور‭ ‬رئيسة‭: ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬ضعيفة،‭ ‬أو‭ ‬قيادة‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬وغير‭ ‬شفافة،‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬لدور‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭. ‬فالواقع‭ ‬أن‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬تعمل‭ ‬غالبا‭ ‬داخل‭ ‬مساحة‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬الواجهة‭ ‬التي‭ ‬تتلقى‭ ‬الانتقادات‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬صاحبة‭ ‬القرار‭ ‬النهائي‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إعفاء‭ ‬بعض‭ ‬إدارات‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭. ‬فوجود‭ ‬أشخاص‭ ‬غير‭ ‬مؤهلين،‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬الأعمال‭ ‬والوظائف‭ ‬التي‭ ‬يخدمونها،‭ ‬أو‭ ‬افتقارهم‭ ‬إلى‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬والمرونة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المواقف‭ ‬والموظفين،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬تطبيق‭ ‬السياسات‭ ‬بعدالة‭ ‬ومهنية،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬المهنة‭ ‬وسمعتها‭. 

كما‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬عمل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬تفرض‭ ‬عليها‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬دائما‭ ‬بقبول‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬فكل‭ ‬قرار‭ ‬قد‭ ‬يرضي‭ ‬طرفا‭ ‬ويغضب‭ ‬طرفا‭ ‬آخر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تحد‭ ‬مستمر‭ ‬لتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬العمل‭ ‬وتوقعات‭ ‬الموظفين‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحميل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬مسؤولية‭ ‬جميع‭ ‬المشكلات‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إعفاؤها‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬كفاءات‭ ‬متميزة‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقافة‭ ‬المؤسسية‭ ‬وبناء‭ ‬الثقة‭ ‬ودعم‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستدعي‭ ‬من‭ ‬القيادات‭ ‬المؤسسية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬وتمكينها‭ ‬ومنحها‭ ‬الصلاحيات‭ ‬اللازمة‭ ‬للقيام‭ ‬بدورها‭ ‬بفاعلية‭ ‬أكبر‭.‬

 

*مستشار‭ ‬تنمية‭ ‬موارد‭ ‬بشرية‭ ‬بحريني