هل سيدخل العالم في الردع البيولوجي مثلما دخل في الردع النووي

| د. سهيلة آل صَفَر

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬المعروف‭ ‬عالميا‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬القنابل‭ ‬والأنشطة‭ ‬النووية‭ ‬محظورٌ‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬بلاد‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬تسع‭ ‬دول‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مساحتها‭ ‬الصغيرة‭ ‬تعادل‭ ‬0‭.‬2‭ % ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أجمع‭! (‬يعني‭ ‬نحطها‭ ‬في‭ ‬زرنوگ‭ ‬صغير‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬مُنعت‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬تملكها‭! ‬اللهم‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬المشعة‭ ‬للاستخدامات‭ ‬المحدودة‭! ‬حيث‭ ‬ترن‭ ‬أجراس‭ ‬الإنذار‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬حاولت‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬منها‭ ‬مجرد‭ ‬التفكير‭ ‬بتملكها‭! ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬دولية‭ ‬وتحيزات‭ ‬معادية‭ ‬جيوغرافية‭ ‬وسياسية‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬استيعابها‭ ‬أو‭ ‬تفسيرها‭!‬

المهم‭ ‬الآن‭ ‬فيما‭ ‬أريد‭ ‬قوله‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أشياء‭ ‬صادمة‭ ‬أخرى‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنظيماتٍ‭ ‬وأسسٍ‭ ‬قد‭ ‬تغافل‭ ‬أو‭ ‬تغابى‭ ‬عنها‭ ‬العالم؟‭ ‬كالمختبرات‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬الفيروسات‭ ‬الخطيرة،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬خطورتها‭ ‬لما‭ ‬يشابه‭ ‬أو‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬مشكلة‭ ‬النووي‭ ‬المحظور‭. ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬الأبحاث‭ ‬في‭ ‬المختبرات‭ ‬عموما‭ ‬منذ‭ ‬زمنٍ‭ ‬بعيد،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تُسمى‭ (‬مختبرات‭ ‬السلامة‭ ‬الحيوية‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تقوم‭ ‬بتطوير‭ ‬اللقاحات‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬التحصينات‭ ‬وعلاج‭ ‬الأمراض‭ ‬المعدية‭ ‬ومنع‭ ‬انتشارها،‭ ‬وقامت‭ ‬هذه‭ ‬التحصينات‭ ‬فعليا‭ ‬بالحد‭ ‬منها،‭ ‬مثل‭ ‬أمراض‭ ‬الكوليرا‭ ‬والتيفوئيد‭ ‬والحصبة‭ ‬وغيرها،‭ ‬لكنها‭ ‬أحيانا‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭ ‬ويزداد‭ ‬انتشارها‭ ‬مع‭ ‬تلوث‭ ‬المياه‭ ‬والغذاء،‭ ‬ومع‭ ‬الحروب‭ ‬ونزوح‭ ‬اللاجئين‭! ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬الأبحاث‭ ‬والملعنة‭ ‬السياسية‭ ‬والدهاء‭ ‬العسكري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المسيطرة‭ ‬والأكثر‭ ‬تقدما‭ ‬تكنولوجيا‭.. ‬قامت‭ ‬تلك‭ ‬المختبرات‭ ‬بتطوير‭ ‬إنتاج‭ ‬الڤيروسات‭ ‬الضارة‭ ‬والخطيرة‭! ‬وأبحاث‭ ‬سرية‭ ‬للأسلحة‭ ‬الكيميائية‭ ‬والبيولوجية‭ ‬وتجربتها‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الأقل‭ ‬حظا،‭ ‬ودون‭ ‬علمهم،‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬ثروات‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬غفلةٍ‭ ‬منها‭ ‬ولإرباك‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬وإشعال‭ ‬نيران‭ ‬الخوف‭ ‬بين‭ ‬شعوبها‭ ‬وافتعال‭ ‬الحروب‭ ‬الخفية‭ ‬لذلك‭! ‬ودون‭ ‬إطلاق‭ ‬رصاصةّ‭ ‬واحدة،‭ ‬وما‭ ‬يُسمى‭ ‬بـ‭ ‬“الحرب‭ ‬الباردة”‭! ‬وبمفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬البيولوجي‭... ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يصعب‭ ‬اكتشافها‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬الخوف‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬القنبلة‭ ‬النووية‭ ‬المتطورة‭! ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فالخوف‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬المجهول‭ ‬والهواء‭ ‬الذي‭ ‬نتنفسه‭ ‬والڤيروس‭ ‬الجيني‭ ‬المعدل‭! ‬والذي‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسياسي،‭ ‬وأصبحت‭ ‬المختبرات‭ ‬وباختصارٍ‭ ‬شديد‭ ‬أربعة‭ ‬أنواع،‭ ‬أولا‭: ‬المختبرات‭ ‬الآمنة‭.. ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬التحصينات‭ ‬للأمراض‭ ‬المنتشرة‭ ‬والبسيطة،‭ ‬ثانيا‭: ‬المختبرات‭ ‬منخفضة‭ ‬الخطورة،‭ ‬ثالثا‭: ‬إنتاج‭ ‬فيروسات‭ ‬تسبب‭ ‬أمراضاً‭ ‬خطيرة‭ ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬علاجها،‭ ‬رابعا‭: ‬مستوى‭ (‬الخطر‭ ‬الأقصى‭) (‬وهو‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬والذي‭ ‬يُنتج‭ ‬ميكروبات‭ ‬فتاكة‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬لها‭ ‬علاج‭ ‬أو‭ ‬لقاح،‭ ‬وتنتقل‭ ‬بسهولة‭! ‬ونسبة‭ ‬الوفاة‭ ‬بها‭ ‬عالية‭ ‬جدا‭ ‬مثل‭ ‬ڤيروس‭ ‬إيبولا‭ ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬نشره‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬للتقليل‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬السكان،‭ ‬وڤيروس‭ ‬ماربورغ‭ ‬والجدري،‭ ‬وللخطورة‭ ‬في‭ ‬إنتاجها‭ ‬يلبس‭ ‬العلماء‭ ‬بدلات‭ ‬الفضاء‭ ‬المعبأة‭ ‬بالأكسجين‭ ‬للحماية‭ ‬من‭ ‬عدوتها‭!‬

وهذه‭ ‬الأنواع‭ ‬من‭ ‬الڤيروسات‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬للطبيعة‭ ‬إنتاجها‭ ‬ولا‭ ‬يمتلك‭ ‬البشر‭ ‬أية‭ ‬حصانة‭ ‬ضدها‭! ‬كما‭ ‬وهناك‭ ‬أنواع‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الڤيروسات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬المحاصيل‭ ‬الزراعية‭ ‬والثروة‭ ‬الحيوانية‭. ‬وهذه‭ ‬قد‭ ‬تُستعمل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جماعاتٍ‭ ‬متطرفة‭ ‬وغيرها‭ ‬ضد‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لقلب‭ ‬الأنظمة‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الڤيروسات‭ ‬لها‭ ‬تأثيرٌ‭ ‬خطير‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬تسريب‭ ‬عارض‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العالم‭ ‬هشا‭ ‬بانتشارها‭ ‬وانعدام‭ ‬الأمان‭! ‬والمشكلة‭ ‬الكبرى‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬التشريعات‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬للأسلحة‭ ‬البيولوجية‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1975،‭ ‬ومن‭ ‬المفترض‭ ‬وضع‭ ‬آلية‭ ‬صلبة‭ ‬تسمح‭ ‬للمفتشين‭ ‬الدوليين‭ ‬بدخول‭ ‬المختبرات‭ ‬الوطنية‭ ‬لتلك‭ ‬الدول‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬نوعية‭ ‬الأبحاث،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نرى‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬عالمنا‭ ‬يضخ‭ ‬الأخطار‭ ‬الرهيبة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬الإجابات‭ ‬المقنعة‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬اتجاهاتها‭ ‬ومن‭ ‬أين‭ ‬ستأتينا‭ ‬المصائب‭ ‬وهل‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الكونية‭ ‬الإشعاعية‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬الهواء‭ ‬الڤيروسي‭. ‬

 

‭*‬طبيبة‭ ‬وكاتبة‭ ‬ونحاتة‭ ‬تشكيلية‭ ‬بحرينية