ورق أبيض

فاكس...

| موسى عساف

خلال‭ ‬عملي‭ ‬بإحدى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬الكبرى؛‭ ‬تلقيت‭ ‬اتصالاً‭ ‬هاتفيًّا‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬المصادر‭ ‬يعتب‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬تأخر‭ ‬نشر‭ ‬أحد‭ ‬الأخبار،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أنه‭ ‬أرسله‭ ‬منذ‭ ‬مدة،‭ ‬وبعد‭ ‬عودتي‭ ‬إلى‭ ‬البريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الرسمي‭ ‬وحتى‭ ‬الواتساب،‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬للخبر،‭ ‬ولكنه‭ ‬استغرب‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬أرسله‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬رقم‭ ‬“الفاكس”‭ ‬المعتاد‭. ‬وبعد‭ ‬حوار‭ ‬قصير‭ ‬معه؛‭ ‬أخبرته‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬الفاكس‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وأن‭ ‬القنوات‭ ‬الرسمية‭ ‬للاتصال‭ ‬والأخبار‭ ‬هي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬أو‭ ‬الواتساب‭ ‬الرسمي،‭ ‬لأكتشف‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬استخدام‭ ‬الإيميل‭ ‬أصلا‭.‬

ورغم‭ ‬تحول‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬للتندر‭ ‬والفكاهة‭ ‬بين‭ ‬الزملاء،‭ ‬بل‭ ‬وصلت‭ ‬لحد‭ ‬التنمر،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬عقلية‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬مؤسساتنا،‭ ‬الرسمية‭ ‬والخاصة،‭ ‬والذين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬“الزمن‭ ‬الجميل”،‭ ‬رافضين‭ ‬قبول‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬في‭ ‬أدواتهم،‭ ‬رغم‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المتقدم‭.‬

المشكلة‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الأشخاص‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬العقلية‭ ‬الجمعية‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬اعتادت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬والتسعينيات‭ ‬يصلح‭ ‬اليوم،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يذهب‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬إلى‭ ‬محاربة‭ ‬كل‭ ‬فكرة‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تقدم‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬تدخل‭ ‬أي‭ ‬تطور‭ ‬تكنولوجي‭ ‬على‭ ‬أدواتها‭.‬

كنت‭ ‬قد‭ ‬كتبت‭ ‬سابقا‭ ‬حول‭ ‬المواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬لبعض‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والتي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬“متاحف‭ ‬إلكترونية”،‭ ‬وتوقف‭ ‬نموها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬دون‭ ‬أية‭ ‬مبادرة‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬للتطوير‭ ‬وإدخال‭ ‬ما‭ ‬أنعمت‭ ‬به‭ ‬عليها‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬إمكانيات‭ ‬في‭ ‬العمل‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تكشفه‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬فجوة‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭. 

فحين‭ ‬تتحول‭ ‬الأدوات‭ ‬إلى‭ ‬عادات‭ ‬ثابتة،‭ ‬يفقد‭ ‬البعض‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬أن‭ ‬وسيلة‭ ‬الاتصال‭ ‬ليست‭ ‬هدفا‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬قابلة‭ ‬للتبدل‭ ‬والتطور،‭ ‬وفي‭ ‬بيئة‭ ‬تتسارع‭ ‬فيها‭ ‬دورة‭ ‬المعلومات‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل،‭ ‬يصبح‭ ‬التمسك‭ ‬بالأدوات‭ ‬القديمة‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬تعطيل‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭ ‬لسرعة‭ ‬القرار‭ ‬وجودة‭ ‬العمل‭.‬

وبالتأكيد‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالفاكس‭ ‬ولا‭ ‬بالبريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالاستعداد‭ ‬الذهني‭ ‬لقبول‭ ‬التحول،‭ ‬فالمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬أحدث‭ ‬التقنيات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬الشجاعة‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬طرق‭ ‬عملها‭ ‬باستمرار،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعيدها‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬الهامش‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنتبه‭.‬

 

*كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬أردني