أبو الخير .. في أمان الله!

| أسامة مهران

فقد‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬خلال‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬رواد‭ ‬صناعة‭ ‬المنتجات‭ ‬السياحية‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أعطى‭ ‬لهذا‭ ‬القطاع‭ ‬خلاصة‭ ‬تجاربه،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬منحه‭ ‬خبراته‭ ‬ووقته‭ ‬وصحته‭ ‬طوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬35‭ ‬سنة‭ ‬مضت‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬أبو‭ ‬الخير‭ ‬محمد‭ ‬إبراهيم‭ ‬سياحيا‭ ‬مخلصا‭ ‬لمهنته،‭ ‬ومواطنًا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معان،‭ ‬وصديقا‭ ‬محبا‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬تعرف‭ ‬عليه‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬احتاجه‭ ‬وقت‭ ‬الضيق،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يقصده‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الخير‭.. ‬كل‭ ‬الخير‭.‬

لقد‭ ‬رحل‭ ‬أبو‭ ‬الخير‭ ‬إبراهيم‭ ‬ليترك‭ ‬فراقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السياحة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تستفد‭ ‬من‭ ‬خبراته‭ ‬مثلما‭ ‬يجب،‭ ‬ولكن‭ ‬لأنه‭ ‬ترك‭ ‬فراغًا‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬عرفوه‭ ‬واقترنوا‭ ‬به،‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬إلا‭ ‬وأن‭ ‬تذكره‭ ‬بالخير،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬مسؤول‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬اقترب‭ ‬منه‭ ‬بحكم‭ ‬عمله‭ ‬الطويل‭ ‬كأحد‭ ‬مؤسسي‭ ‬ومدير‭ ‬عام‭ ‬منتج‭ ‬البندر‭ ‬الذي‭ ‬يمتلكه‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬الكويتي‭ ‬المعروف‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬صحيفة‭ ‬السياسة‭ ‬الكويتي‭ ‬الأستاذ‭ ‬أحمد‭ ‬الجار‭ ‬الله،‭ ‬وأحد‭ ‬المشاركين‭ ‬الفاعلين‭ ‬في‭ ‬جمعية‭ ‬الفنادق‭ ‬من‭ ‬ذوات‭ ‬الأربع‭ ‬نجوم‭ ‬كنائب‭ ‬لرئيس‭ ‬الجمعية‭ ‬التي‭ ‬يترأسها‭ ‬السياحي‭ ‬المعروف‭ ‬عبدالحميد‭ ‬الحلواجي‭.‬

رحيل‭ ‬أبو‭ ‬الخير‭ ‬جاء‭ ‬مفاجاة‭ ‬لي‭ ‬شخصيًّا،‭ ‬حيث‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬هاتفته‭ ‬قبل‭ ‬النهاية‭ ‬بـ48‭ ‬ساعة،‭ ‬بالتحديد‭ ‬أثناء‭ ‬مباراة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬التمهيدية‭ ‬لكأس‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬البرازيل‭ ‬ومصر،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬“أبو‭ ‬هيثم”‭ ‬مفتونًا‭ ‬بكرة‭ ‬القدم‭ ‬“أهلاوي”‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬المصرية‭ ‬العنيدة،‭ ‬قالي‭ ‬لي‭: ‬بعد‭ ‬“الماتش”سوف‭ ‬نتهاتف‭ ‬وربما‭ ‬نلتقي،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬قد‭ ‬التقينا‭ ‬زهاء‭ ‬بضعة‭ ‬شهور‭. ‬وافقته‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬ولكن‭ ‬شاءت‭ ‬الأقدار‭ ‬ألا‭ ‬نلتقي،‭ ‬فالموت‭ ‬كان‭ ‬أسرع،‭ ‬والفراق‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬كلينا‭ ‬لكي‭ ‬يفصل‭ ‬التوأمين‭ ‬السياميين‭ ‬بعد‭ ‬عِشرة‭ ‬تجاوزت‭ ‬الأربعين‭ ‬سنة،‭ ‬وبعد‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬قطعناه‭ ‬سويًّا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والحياة،‭ ‬في‭ ‬الرفقة‭ ‬الجميلة،‭ ‬والسفر‭ ‬الطويل‭ ‬والرحلات‭ ‬القصيرة،‭ ‬في‭ ‬الحزن‭ ‬والألم‭ ‬عندما‭ ‬تحاصرنا‭ ‬الصعاب،‭ ‬في‭ ‬الأمل‭ ‬والسعادة‭ ‬حين‭ ‬يعتكف‭ ‬أبو‭ ‬الخير‭ ‬ليفكر‭ ‬ويفكر‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مصلحة‭ ‬شخصية‭ ‬تعود‭ ‬عليه‭ ‬بالنفع،‭ ‬إنما‭ ‬ليجد‭ ‬حلاً‭ ‬لمعضلة‭ ‬أو‭ ‬فرصة‭ ‬لصديق‭ ‬باحث‭ ‬عن‭ ‬الأمل‭ ‬من‭ ‬جديد.

‭ ‬إن‭ ‬أبو‭ ‬الخير‭ ‬كان‭ ‬وسيظل‭ ‬رمزًا‭ ‬ليس‭ ‬للصداقة‭ ‬والوفاء‭ ‬فحسب،‭ ‬إنما‭ ‬للإخلاص‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والأمانة‭ ‬في‭ ‬العطاء‭ ‬والمثابرة‭ ‬على‭ ‬الشدائد،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يترجمه‭ ‬أبو‭ ‬الخير‭ ‬–‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬–‭ ‬دائمًا‭ ‬لكي‭ ‬يحول‭ ‬المشكلات‭ ‬إلى‭ ‬فرص،‭ ‬والإخفاقات‭ ‬إلى‭ ‬نجاح‭.‬

القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬البحريني‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬نهضة‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬ثمانينيات‭ ‬وتسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وكان‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬صديق‭ ‬العمر‭ ‬يعاني‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬المتسلقين،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬الانتقاد‭ ‬لهم،‭ ‬ليس‭ ‬ليناصبهم‭ ‬العداء،‭ ‬إنما‭ ‬ليرشدهم‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭ ‬القويم،‭ ‬ليوجههم‭ ‬نحو‭ ‬فعل‭ ‬الخير،‭ ‬ونحو‭ ‬الارتقاء‭ ‬بالعمل‭ ‬الذي‭ ‬يؤدونه،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يصب‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬البحرين،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬المراكز‭ ‬السياحية‭ ‬الناهضة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأحد‭ ‬أبرز‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬صناعة‭ ‬المنتجعات‭ ‬السياحية‭ ‬باعتبارها‭ ‬صناعة‭ ‬بلا‭ ‬دخان،‭ ‬أو‭ ‬صناعة‭ ‬لمستقبل‭ ‬اقتصادي‭ ‬مشرق‭ ‬للبلاد‭ ‬والعباد‭.‬

لقد‭ ‬رحل‭ ‬أبو‭ ‬الخير‭ ‬ليترك‭ ‬وراءه‭ ‬إرثًا‭ ‬من‭ ‬النصح‭ ‬والإرشاد،‭ ‬وعصرًا‭ ‬من‭ ‬الإنجاز‭ ‬والإعجاز‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الشخصي‭ ‬والواقعي‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الذاتي‭ ‬والعام،‭ ‬ثم‭ ‬كيف‭ ‬يوظف‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬المجتمع،‭ ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬قامة‭ ‬سياحية‭ ‬طالما‭ ‬بذلت‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أثرًا‭ ‬خالدًا‭ ‬بعد‭ ‬عين،‭ ‬وعين‭ ‬تدمع‭ ‬بعد‭ ‬فراق‭.‬