الهجرة النبوية.. ولادة أمة وبناء دولة

| عبدعلي الغسرة

‭ ‬تم‭ ‬اعتماد‭ ‬السنة‭ ‬الهجرية‭ ‬تخليدًا‭ ‬للهجرة‭ ‬النبوية‭ ‬المباركة‭ ‬من‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة،‭ ‬وهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬رحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬مولد‭ ‬أمة،‭ ‬ووضع‭ ‬أسس‭ ‬لتشييد‭ ‬وبناء‭ ‬دولة،‭ ‬وإرساء‭ ‬قواعد‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬المترابط‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الجديد‭ ‬تحول‭ ‬المسلمون‭ ‬إلى‭ ‬أمة‭ ‬قوية‭ ‬مستقلة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬عاصمة‭ ‬للدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وتجسد‭ ‬فيها‭ ‬رباط‭ ‬الأخوة‭ ‬والمواساة‭ ‬بين‭ ‬المهاجرين‭ ‬والأنصار‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬ثمرة‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬المباركة‭ ‬دولة‭ ‬ترسخت‭ ‬فيها‭ ‬مبادئ‭ ‬العدل‭ ‬والتعايش‭ ‬والدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬والدين‭.‬

كان‭ ‬توقيت‭ ‬الهجرة‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬الظروف‭ ‬وأصعبها‭ ‬بعد‭ ‬انبثاق‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬في‭ ‬مكة،‭ ‬توقيت‭ ‬تجلت‭ ‬فيه‭ ‬قمة‭ ‬اليقين‭ ‬والطمأنينة،‭ ‬والثقة‭ ‬المُطلقة‭ ‬بنصر‭ ‬الله،‭ ‬واليقين‭ ‬بأن‭ ‬الأزمات‭ ‬والشدائد‭ ‬يولد‭ ‬منها‭ ‬الفرج‭. ‬كان‭ ‬النبي‭ (‬ص‭) ‬هو‭ ‬قائد‭ ‬هذه‭ ‬الهجرة‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬الشباب‭ ‬والنساء‭ ‬والرجال‭ ‬والشيوخ،‭ ‬والذين‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬إنجاحها،‭ ‬مسيرة‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬عظمة‭ ‬التضحية‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬المبدأ‭. ‬تجلت‭ ‬عظمتها‭ ‬بترك‭ ‬المهاجرين‭ ‬ديارهم‭ ‬وأموالهم،‭ ‬فارقوا‭ ‬وطنهم‭ ‬حُبًا‭ ‬في‭ ‬الله‭ ‬ورسوله‭ ‬ونصرة‭ ‬للدين‭ ‬الحق‭. ‬فسجلت‭ ‬الهجرة‭ ‬شجاعة‭ ‬“الإمام‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬طالب”‭ ‬ومبيته‭ ‬في‭ ‬فراش‭ ‬النبي،‭ ‬وتحملت‭ ‬السيدة‭ ‬“أسماء‭ ‬بنت‭ ‬أبي‭ ‬بكر”‭ ‬مشقة‭ ‬إعداد‭ ‬وتوصيل‭ ‬الطعام‭ ‬إلى‭ ‬الغار‭. ‬

وعلى‭ ‬أرض‭ ‬الهجرة‭ ‬تجلت‭ ‬قِيم‭ ‬الإخاء‭ ‬والمحبة‭ ‬بين‭ ‬المهاجرين‭ ‬والأنصار،‭ ‬وأسهموا‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬القوي‭ ‬والسليم‭ ‬لبناء‭ ‬الأمة‭ ‬والدولة‭ ‬البناء‭ ‬الروحي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬فبدأ‭ ‬النبي‭ ‬ببناء‭ ‬المسجد‭ ‬النبوي‭ ‬ليكون‭ ‬مركزًا‭ ‬للعبادة‭ ‬ومدرسة‭ ‬للتربية‭ ‬والوحدة‭ ‬بين‭ ‬المسلمين،‭ ‬فالتربية‭ ‬السليمة‭ ‬القويمة‭ ‬للإنسان‭ ‬تترتب‭ ‬عليها‭ ‬أمة‭ ‬متماسكة‭ ‬قوية‭ ‬البنيان.

ووجود‭ ‬دولة‭ ‬قوية‭ ‬يتطلب‭ ‬أمرين،‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يتربى‭ ‬أفرادها‭ ‬على‭ ‬عقيدة‭ ‬إيمانية‭ ‬صحيحة،‭ ‬والثاني‭ ‬أن‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬أفرادها‭ ‬علاقة‭ ‬التماسك‭ ‬والتناصح،‭ ‬وأن‭ ‬القوي‭ ‬يحمي‭ ‬الضعيف،‭ ‬والغني‭ ‬يعطي‭ ‬الفقير‭. ‬كما‭ ‬قال‭ ‬ﷺ‭)‬الْمُؤمِنُ‭ ‬لِلْمُؤمِنِ‭ ‬كَالْبُنْيَانِ،‭ ‬يَشُدُّ‭ ‬بَعْضُهُ‭ ‬بعضًا). ‬

لقد‭ ‬تحمل‭ ‬النبي‭ ‬تهكم‭ ‬المشركين‭ ‬وتضييقهم‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬أصحابه‭ ‬الذي‭ ‬رآهم‭ ‬وهُم‭ ‬يُعذبون‭ ‬ويُجلدون‭ ‬ويُسحلون‭ ‬ويُصلبون،‭ ‬فيواسيهم‭ ‬ويُصبرهم‭ ‬ويربط‭ ‬على‭ ‬قلوبهم‭ ‬ويُقوي‭ ‬من‭ ‬عزيمتهم‭ ‬ويُعلي‭ ‬من‭ ‬همتهم‭. ‬وكان‭ ‬ﷺ‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬صبر‭ ‬أصحابه‭ ‬وهُم‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬الفقراء‭ ‬وقليلٌ‭ ‬من‭ ‬الأغنياء‭ ‬ويتطلع‭ ‬إلى‭ ‬تضحياتهم‭ ‬التي‭ ‬تبشر‭ ‬بقرب‭ ‬نشر‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬وما‭ ‬جاورها‭ ‬من‭ ‬قبائل‭ ‬وبلدان‭. ‬وكانت‭ ‬المدينة‭ ‬البيئة‭ ‬النقية‭ ‬والأرض‭ ‬الخصبة‭ ‬التي‭ ‬أينعت‭ ‬فيها‭ ‬بذور‭ ‬الدين‭. ‬وودع‭ ‬النبي‭ ‬ﷺ‭ ‬بلدته‭ ‬وهو‭ ‬متوجه‭ ‬للمدينة‭ ‬بكلمات‭ ‬مؤثرة‭ ‬معبرة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الوطن‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬وحزنه‭ ‬على‭ ‬مفارقته،‭ ‬فحب‭ ‬الوطن‭ ‬نازع‭ ‬فطري‭ ‬وواجب‭ ‬إيماني‭ ‬وإحساس‭ ‬قلبي،‭ ‬لذا،‭ ‬فالواجب‭ ‬علينا‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أوطاننا‭ ‬وصيانتها‭ ‬من‭ ‬الشوائب‭ ‬المادية‭ ‬والبشرية‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني