تصنيف المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة قرار هام جدًّا

| د. عبدالقادر ورسمه

تلعب‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬وحتى‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر،‭ ‬دورًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬غنيها‭ ‬وفقيرها،‭ ‬شمالها‭ ‬وجنوبها‭. ‬ووفق‭ ‬الدراسات‭ ‬فان‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تشكل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬وتتوزع‭ ‬مساهماتها‭ ‬العالمية‭ ‬وفقا‭ ‬لبيانات‭ ‬“مؤسسة‭ ‬التمويل‭ ‬الدولية”‭ ‬وتغطي‭ ‬نسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬70‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الوظائف‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الناشئة‭ ‬والدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬فإنها‭ ‬تشكل‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬50‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬والإجمالي‭ ‬العالمي‭ ‬ويقدر‭ ‬عدد‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬مليون‭ ‬شركة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬والتنموية‭ ‬وهي‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شارع‭ ‬وركن‭ ‬وزقاق،‭ ‬وكلنا‭ ‬نحتاج‭ ‬لها‭ ‬يوميًّا‭ ‬كالخباز‭ ‬واللحام‭ ‬وبائع‭ ‬الخضرة‭ ‬وسائق‭ ‬الأجرة‭ ‬والحلاق‭ ‬والترزي‭ ‬والمعاهد‭ ‬الدراسية‭ ‬والسوبرماركت‭ ‬والسباك‭ ‬والنجار‭ ‬والبناء‭ ‬وتصليح‭ ‬الأجهزة‭ ‬وطلبات‭ ‬وهوم‭ ‬دليفري‭ ‬وشاي‭ ‬الكرك‭ ‬والسندوتشات‭ ‬والمطاعم‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬وغيرهم‭ ‬الكثير‭.‬

وبالنسبة‭ ‬للبحرين‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬94‭ % ‬من‭ ‬إجمالى‭ ‬السجلات‭ ‬التجارية،‭ ‬وتعد‭ ‬محركًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬لخلق‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬خاصة‭ ‬وسط‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬الجنسين،‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬وتنشيط‭ ‬الحركة‭ ‬التجارية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬والتنموية‭. ‬ولهذا،‭ ‬هناك‭ ‬زخم‭ ‬خاص‭ ‬جدًّا‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬وعناية‭ ‬مكثفة‭ ‬واهتمام‭ ‬خاص‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الحكومي‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بكل‭ ‬قطاعاته‭.‬

وعند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر‭ ‬والصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬والعناية‭ ‬المشار‭ ‬لها‭ ‬أعلاه،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يفوتنا‭ ‬القول‭ ‬بان‭ ‬هناك‭ ‬عدة‭ ‬صعاب‭ ‬ومحاذير‭ ‬سلبية‭ ‬ومخاطر‭ ‬ترتبط‭ ‬بقيام‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ونشاطاتها‭. ‬ومن‭ ‬أول‭ ‬هذه‭ ‬المحاذير‭ ‬والمخاطر‭ ‬نجد‭ ‬صعوبة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬لتغطية‭ ‬النشاطات‭ ‬التجارية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬التي‭ ‬ترغب‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخوض‭ ‬فيها،‭ ‬وذلك‭ ‬يعود‭ ‬أساسًا‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬ضمانات‭ ‬كافية‭ ‬تضمن‭ ‬أعادة‭ ‬القروض‭ ‬والتسهيلات‭ ‬المالية‭ ‬المقدمة‭ ‬للمؤسسات‭. ‬وبالطيع،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وبنسب‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكنه‭ ‬موجود‭ ‬كحقيقة‭ ‬قائمة‭ ‬وهناك‭ ‬محاولات‭ ‬عديدة‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬المالية‭. ‬

وربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬إنشاء‭ ‬بنوك‭ ‬وشركات‭ ‬تمويل‭ ‬خاصة‭ ‬للعناية‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬بدعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر‭ ‬والصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬وتوفير‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬لها‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭. ‬والبحرين‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬نموذجًا‭ ‬مثاليًّا‭ ‬نظرًا‭ ‬لإنشاء‭ ‬ووجود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخاصة‭ ‬للتمويل‭ ‬وفق‭ ‬شروط‭ ‬خاصة‭ ‬تخضع‭ ‬لممارسات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بنشاطات‭ ‬ودور‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر‭ ‬والصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وبعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الجشع‭ ‬التجاري‭ ‬والمضاربات‭ ‬والمنافسة‭ ‬غير‭ ‬الشريفة‭ ‬والرسوم‭ ‬الباهظة‭.‬

وللعلم،‭ ‬فإن‭ ‬عدم‭ ‬تعريف‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬وتصنيفها‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الصعاب‭ ‬والمخاطر‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬تعريف‭ ‬قانوني‭ ‬واضح‭ ‬لها‭. ‬وعدم‭ ‬التعريف‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤهل‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬التي،‭ ‬وبحكم‭ ‬القانون،‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬المجهول‭ ‬الأساس‭. 

ومما‭ ‬أثلج‭ ‬صدري‭ ‬اليوم،‭ ‬صدور‭ ‬القرار‭ ‬رقم‭ (‬23‭) ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬بإصدار‭ ‬معايير‭ ‬جديدة‭ ‬بشأن‭ ‬تصنيف‭ ‬المؤسسات‭ ‬متناهية‭ ‬الصغر‭ ‬والصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬والذي‭ ‬يحدد‭ ‬معايير‭ ‬التصنيف‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬العمالة‭ ‬والإيرادات‭ ‬السنوية‭ ‬للمؤسسات‭. ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬القطاع‭ ‬وتعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬البرامج‭ ‬والخدمات‭ ‬الموجهة‭ ‬إليه‭. ‬وبحسب‭ ‬القرار‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬الرسمية‭ ‬تصنف‭ ‬المؤسسات‭ ‬متناهية‭ ‬الصغر‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬خمسة‭ (‬5‭) ‬عمال‭ ‬أو‭ ‬أقل‭ ‬وتبلغ‭ ‬إيراداتها‭ ‬السنوية‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭ ‬أو‭ ‬اقل‭. ‬وتصنف‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬إذا‭ ‬تراوح‭ ‬عدد‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬ستة‭ (‬6‭) ‬وخمسين‭ (‬50‭) ‬عاملًا‭ ‬وكانت‭ ‬إيراداتها‭ ‬السنوية‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭ ‬حتي‭ ‬أربعة‭ (‬4‭) ‬ملايين‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭. ‬أما‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتوسطة‭ ‬فتندرج‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬إذا‭ ‬تراوح‭ ‬عدد‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬51‭ ‬و250‭ ‬عاملًا‭ ‬وكانت‭ ‬إيراداتها‭ ‬السنوية‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬دينار‭ ‬حتي‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭. ‬وأكد‭ ‬القرار‭ ‬جواز‭ ‬اعتماد‭ ‬أحد‭ ‬معياري‭ ‬التصنيف‭ ‬أو‭ ‬كليهما‭ ‬عند‭ ‬تحديد‭ ‬فئة‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وفقًا‭ ‬لما‭ ‬ينظمه‭ ‬الدليل‭ ‬المعتمد‭ ‬للتصنيف‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬بدائل‭ ‬أخرى‭ ‬للتعريف‭ ‬والتصنيف،‭ ‬تعتبر‭ ‬خطوة‭ ‬جريئة‭ ‬وهامة‭ ‬جدًّا‭ ‬بل‭ ‬ضرورية،‭ ‬وتمنح‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الزخم‭ ‬والدعم‭ ‬الرسمي‭. ‬وبهذا‭ ‬التصنيف‭ ‬والتعريف‭ ‬الواضح‭ ‬تجد‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر‭ ‬والصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬قانوني‭ ‬ومؤسسي‭ ‬واضح‭ ‬المعالم‭ ‬ويزيل‭ ‬اللبس‭ ‬حول‭ ‬كنه‭ ‬وكيان‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬الحجم‭ ‬والمال‭ ‬والعمالة،‭ ‬لكنها‭ ‬عظيمة‭ ‬الشأن‭ ‬وعالية‭ ‬الهمم‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬لارتياد‭ ‬القمم،‭ ‬وهذا‭ ‬المبتغى‭ ‬والشكر‭ ‬لمعالي‭ ‬وزير‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬الهمام‭.‬

‭*‬المستشار‭ ‬والخبير‭ ‬القانوني