التفكيك السلوكي للنموذج القيادي لـ “الخليف وبوحجي” في مجلس التنمية وهيئة السياحة
| محمد طلعت عبدالعزيز
إن صياغةَ المناعة الاقتصادية للدولة الوطنية المعاصرة لم تعُد تقتصر على حشد الموارد المادية الفطرية، بل باتت ترتكز بُنيويًّا على جودة وعقيدة رأس المال البشري الحاكم لملفات الاستثمار والتنمية. وفي بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد تشهد إعادة تشكيل موازين النفوذ، تبرزُ مملكة البحرين عبر طراز رفيعٍ من “الهندسةِ الإدارية المبتكرة” التي تقودها نماذج قيادية شابة استطاعت كسر جمود “البيروقراطية التقليدية” وتدشين عصر “التكنوقراطية السيادية”، حيث يتجلى هذا النضج المؤسسي بصورته الأكثر كفاءةً في الأداء التشغيلي والمبادأة الابتكارية لكل من نور الخليف (الرئيس التنفيذي لمجلس التنمية الاقتصادية)، وسارة بوحجي (الرئيس التنفيذي لهيئة البحرين للسياحة والمعارض). فقد مثّل هذا الثنائي الإداري تجسيدًا حقيقيًّا لـ “جيوبوليتيك الأنوثة الإدارية المعاصرة”، والتي شكلت الاستراتيجية الناعمة الهادفة لوضع الكفاءة التكنوقراطية النسائية في صُلب إدارة الموازنات الدولية والجذب الاستثماري، لتصبحَ ركيزةً من ركائز فرض الإرادة الاقتصادية للدولة الوطنية. إن التفكيك السلوكي لنمط إدارة “الخليف وبوحجي” يُثبت باحترافيةٍ الانتقال الحاسم من مفهوم التمكين العددي الشكلي القائم على المؤشرات الإحصائية الجافة، إلى مربع “الكوتا الحقيقية”؛ حيثُ الجدارة المجرّدة، والجاهزية التشغيلية، وعقلية المبادأة الاستراتيجية التي تُشكلُ المعيار الوحيد لاختيار النماذج القيادية العالمية القادرة على صياغة حلولٍ تنموية عابرةٍ للتحديات. لهذا، فإن الأثرَ البُنيوي الأكثر خطورةً وجُرأة في هذا النموذج يكمنُ في نجاحهما في “تحويل المؤسسات من الإعالة الاقتصادية إلى منتجاتٍ دولية بمعايير محلية”، لقد تخلصت حقائب الاستثمار والسياحة تحت قيادتهما من عقيدةِ الاتكال على الميزانيات الحكومية المستهلكة (الإعالة)، لتتحول إلى منصات سياديةٍ مرنة تصنع فرصًا استثمارية هجومية، وتُسوق للمملكة كوجهةٍ سياحيةٍ واستثماريةٍ عالميةٍ فائقة التنافسية (عبر مشاريع نوعية كمركز البحرين العالمي للمعارض).
هذا “التناغم العملياتي والتكامل البنيوي المهجن” بين مجلس التنمية وهيئة السياحة يقدمُ نموذجًا إداريًّا متطورًا يستوجب الاستنساخ الشامل في كل قطاعات الدولة الوطنية، باعتباره حجر الزاوية لبناء المناعة الاقتصادية الاستباقية وتحصين الأمن القومي ضد “التقلبات الجيوسياسية العالمية”. ولا تتوقف حدود هذه الهندسة الإدارية عند تسيير الأعمال فحسب، بل تمتد لتشمل صياغة الرؤية المعرفية للمورد البشري؛ وأعتقدُ أنهما ينبغي عليهما كعقليات قيادية استثنائية في وضع الأطر الإدارية وضع معايير صارمة لـ “المنتج التعليمي” في المدارس والجامعات، والذي تتطلبه دفة القيادة والتكنوقراطية في وزاراتهم ومؤسساتهم المعاصرة. لأن ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق الاستثمار الدولي وسياحة المعارض لم يعُد يمثل رفاهةً شكليةً، بل بات تجسيدًا لإنهاء عصر “العشوائية الأكاديمية” وإحلال “التعليم الموجّه تنمويًّا”، ما يضمن ضخ كوادر شابة تمتلك الجاهزية المسبقة لخدمة العقيدة السيادية للدولة. ويتوازى هذا الطرح بنيويًّا مع “تأصيل فكرة الخصخصة الذكية”؛ إذ لا تعني الخصخصة هنا تراجع الدولة أو التنازل عن أصولها، بل تعني إعادة تعريف دور الحكومة من “مشغّل وممول” يعاني من الإعالة الاقتصادية، إلى “منظم ومراقب سيادي” يمنحُ القطاع الخاص مرونة التشغيل والتنافسية، مع احتفاظ الدولة بالسيطرة التوجيهية والأمنية العليا على الأصول والاستراتيجيات كأصلٍ سيادي. وتتجلى القيمة العملياتية لهذين النموذجين القياديين عند العروج إلى لغة الأرقام والمشروعات الإنجازية الملموسة؛ إذ نجح مجلس التنمية الاقتصادية في عهد الخليف في استقطاب تدفقات استثمارية دولية قياسية بلغت حوالي 1.8 مليار دولار أميركي في عام 2024 وحده، مدفوعةً بقطاعات الحوسبة السحابية، الخدمات المالية، واللوجستيات، وهي مؤشرات وضعت البحرين في صدارةِ التصنيفات الدولية كأقوى بيئة جاذبة للاستثمار المباشر عالمياً. وفي المقابل، تبرزُ عقيدة المبادأة لدى بوحجي عبر نقل الفعاليات الوطنية إلى منصاتٍ إنتاجيةٍ دولية؛ وهو ما يظهره بوضوح التحليل المقارن لكفاءة التحشيد السياحي، حيث قفزت أعداد الزوار لفعاليات “هوى المنامة” والأنشطة المصاحبة في باب البحرين ومركز البحرين العالمي للمعارض بنسبة نمو تجاوزت 32 % مقارنةً بالأعوام السابقة، بالإضافة لنمو الليالي السياحية بنسبة تناهز 53 % مقارنة بعام 2019 واستضافة 124 فعالية بمركز البحرين الدولي للمعارض منذ افتتاحه، محولةً المواسم التراثية والمحلية إلى منتجاتٍ سياحية إقليمية عابرةٍ للحدود ترفد الخزينة السيادية وتنعتق بالكامل من نمط الاستهلاك المالي التقليدي. خاتمة القول، إن تجربة “نور الخليف وسارة بوحجي” تقدمُ وثيقةً حيةً تُثبتُ أن المناعة الأمنية والاقتصادية للأوطان تُبنى بالعمل الميداني المجرّد ولغة الإنجاز القياسي، لا بالخطابات الإنشائية أو الاستقطابات ضيقة الأفق. لأن تحويل المؤسسات السيادية إلى كياناتٍ إنتاجية دولية بمعاييرٍ محلية، وتأصيل الخصخصةِ القائمة على الرقابة السيادية، وإعادة صياغة المنتج التعليمي، هي ركائز تمثلُ “الهندسة الإدارية المبتكرة” في أبهى صورها. ومثل هذه النماذج الوطنية الشابة لا تُشكِلُ فقط مبعثَ فخرٍ محلي، بل هي استراتيجيات حتمية تستوجب الاستنساخ والتعميم الفوري لضمان صمود وصدارة الدولة الوطنية في عالم لا يعترف إلا بالجاهزية، الكفاءة، وفوق كل شيء: السيادة التنموية المطلقة، لأن هذه هي مفردات العقد القادم فاستعدوا لها بنماذج مشرفة كتلك.. دمتم في أمان الله.
كاتب بحريني