قراءة استراتيجية في اقتصاد عدم اليقين

| علي البستكي

لم يعد السؤال المطروح اليوم في أروقة صناعة القرار الاستثماري هو: “هل سنواجه تضخمًا؟”، بل أصبح: “كيف ندير استثماراتنا وكياناتنا في ظل تضخم بات عصيًّا على التنبؤ؟”. إننا نعيش حقبة اقتصادية فريدة، لا تغذيها المؤشرات التقليدية القياسية كالعرض والطلب فحسب، بل يغذيها بالدرجة الأولى *”عدم وضوح الرؤية” (Economic ) .Uncertainty وتأرجح السياسات النقدية والمالية بين ليلة وضحاها من واقع ممارستنا في التحليل الاقتصادي والاستشراف الاستراتيجي، نرى أن التحدي الأكبر الذي يواجه الأسواق اليوم ليس التضخم بحد ذاته كظاهرة رقمية، بل حالة “الضبابية” التي تحرم المؤسسات من القدرة على التخطيط طويل الأجل، وتحول الاستثمار من ممارسة قائمة على دراسات الجدوى الحصيفة إلى ممر للمخاطرة العالية وغير المحسوبة . سيكولوجية السوق: كيف يصنع “عدم اليقين” التضخم الذاتي؟ في الاقتصاد الكلاسيكي، يرتفع التضخم نتيجة لزيادة الكتلة النقدية المعروضة أو شح الإمدادات. أما بمعايير الأسواق الحديثة، فإن *”توقعات التضخم” (Inflation Expectations)* الناتجة عن تذبذب القرارات الاقتصادية هي المحرك الأشد خطورة والأسوع أثرًا. عندما تغيب الرؤية الواضحة من قِبل المشرّعين وصناع السياسات النقدية (سواء حول أسعار الفائدة، أو الأطر الضريبية، أو تشريعات التجارة وسلاسل الإمداد)، يلجأ الفاعلون الاقتصاديون غريزيًّا إلى “التحوط المفرط :  المؤسسات والشركات:* تعمد إلى رفع أسعار منتجاتها وخدماتها مسبقًا، ليس لتغطية تكاليف تشغيلية فعلية الحدوث، بل لتأمين هوامش ربحها ضد قفزات تكاليف “محتملة المفاجأة” في المستقبل. المستهلك النهائي: يتخلى عن ثقافة الادخار ويتجه متسارعاً لشراء الأصول أو السلع المعمرة خوفًا من تآكل قيمته الشرائية، مما يولد ضغط طلب اصطناعي في الأسواق. هذا السلوك الجماعي المدفوع بالخوف والضبابية يخلق ما نسميه بـ الحلقة المفرغة للتضخم الذاتي، حيث يتحول التضخم من عرض مرضي للاقتصاد إلى نتاج مباشر لغياب الثقة في ثبات القرارات التشريعية. . تقلب السياسات: عندما يصبح العلاج سببًا للمرض إن الإفراط في اتخاذ القرارات الاقتصادية المفاجئة، أو التراجع السريع عنها بهدف الاستجابة الوقتية للأسواق هذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى مفعول عكسي. إن الصدمات المتتالية في تحريك أسعار الفائدة صعودًا وهبوطًا، أو التغييرات الفجائية في قوانين الاستيراد، القيود الجمركية، والتسعير، تمنع قطاع الأعمال من بناء “نماذج تسعير مستقرة ومستدامة. وفي غياب هذا الاستقرار، يتم تلقائياً إضافة *”علاوة مخاطر عالية على كل السلع والخدمات كحائط صد إداري، وهي تكلفة غير مرئية دافعها ومتحملها الأخير هو المستهلك، مما يعمق الجذور التضخمية في جسد الاقتصاد. . بوصلة الاستدامة: كيف تقاد الكيانات في زمن الضباب؟ إن القيادة الرشيدة في أوقات عدم وضوح الرؤية لا تعني إيقاف الحركة والانتظار حتى ينقشع الضباب، بل تعني تطوير الرادارات المناسبة للتحرك الآمن داخله. ومن المنظور الاستشاري، نرى أن المرونة التشغيلية باتت تتطلب الارتكاز على حلول بديلة.  لم يعد هناك متسع للخطط الخمسية أو العشرية الجامدة؛ بل يجب صياغة نماذج ديناميكية تتوقع ثلاثة إلى أربعة سيناريوهات للقرار الاقتصادي، مع بناء “مفاتيح استجابة فورية” لكل منها مثل: إعادة هندسة سلاسل الإمداد:* التخلي عن العقيدة القديمة القائمة على “التوريد من المصدر الأرخص” وتبني عقيدة “التوريد من المصدر الأكثر أمانًا واستقرارًا”، لتقليل التبعات الكارثية للصدمات الجيوسياسية المفاجئة. الاستثمار الفائق في الكفاءة الذاتية:* عندما يعجز الكيان الاقتصادي عن التحكم في العوامل والمتغيرات الخارجية بسبب التضخم، يصبح الملجأ الآمن هو تعظيم التحكم في التكاليف الداخلية عبر الأتمتة، الرقمنة، وتقليص الهدر التشغيلي. خلاصة الرؤية الاستراتيجية إن المستقبل التضخمي لن تحسمه أدوات وقوالب الاقتصاد التقليدي التي عفا عليها الزمن. المشهد القادم ينتمي حصريًّا إلى الكيانات والقيادات التي تمتلك *”المرونة الاستراتيجية المتكاملة”*؛ تلك التي أدركت مبكرًا أن “عدم اليقين” هو الثابت الوحيد في الأسواق حاليًّا. إن استعادة التوازن والاستقرار إلى الأسواق لا تبدأ من مجرد سحب السيولة أو فرض أدوات رقابية معقدة، بل تبدأ بالدرجة الأولى من *إعادة بناء جسور الثقة وتقديم رؤية تشريعية واضحة ومستقرة طويلة الأجل*؛ فالاقتصاد كائن حي يمكنه التكيف والنمو حتى مع القرارات الصعبة، لكنه يصاب بالشلل والاضطراب أمام القرارات المتقلبة.

 

‭* ‬خبير‭ ‬مصرفي‭ ‬ومستشار‭ ‬اقتصادي