ميناء خليفة .. واقتصاديات الموانئ المتقدمة

| أسامة مهران

 لم تكن مصادفة تلك التي تحقق من خلالها الهدف، ولم تكن مجرد رؤية على الورق هي التي وصلت بميناء خليفة بن سلمان إلى المكانة المتقدمة التي بلغتها خلال أحد أهم التصنيفات العالمية مؤخرًا، فميناء خليفة تبوأ المكانة 19 عالميًّا وضمن أبرز خمسة موانئ تحقيقًا للنمو في الأداء حسب المؤشر العالمي المتخصص الصادر عن البنك الدولي مؤخرًا. وما يبعث على الفخر أن هذا التصنيف قد تحقق وتلك المكانة قد بلغها ميناء خليفة بن سلمان رغم الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة بسبب الحرب الأميركية الإيرانية، والتي ألقت بظلالها الكثيفة على موانئ المنطقة البحرية والجوية وغيرها. والمعروف أن هذا المؤشر الذي يصدر عن البنك الدولي ووكالة “إس.آند.بي غلوبال ماركت انتلجنس” يعد معيارًا عالميًّا مستقلاً لقياس كفاءة تفاعل الموانئ مع حركة الحاويات، حيث يقوم بتقييم إجمالي الوقت الذي تقضيه السفن في الميناء بدءًا من لحظة وصولها وصولاً إلى مغادرتها، مع مواءمة البيانات وتعديلها وفقًا لأحجام السفن المتفاوتة وطبيعة كل حركة بحرية، كما يسهم التعامل الأسرع والأكثر سلاسة والموثوق مع السفن بشكل مباشر في رفع التصنيف العام للميناء. وهذا الأداء القوي في مؤشر “CPPI” يمثل بذلك حصيلة تضافر الجهود وتكاملها بين مختلف القطاعات والشركاء في مجتمع الميناء، حيث تعمل شركة “إيه.بي.إم تيرمينالز البحرين” بصفتها المشغل الرسمي للميناء جنبًا إلى جنب تحت قيادة وزارة المواصلات والاتصالات البحرينية، وبإشراف مباشر من إدارة شؤون الموانئ والملاحة البحرين، وشؤون الجمارك والقطاعات اللوجسية، لضمان تدفق آمن ومستقر وموثوق للبضائع، مما يضاعف من عمليات ربط مملكة البحرين بأسواق التجارة العالمية. المعروف أن صناعة الموانئ واقتصادياتها المعاصرة قد لعبت دورًا كبيرًا في مضاعفة الناتج القومي الإجمالي لاقتصاديات الدول الكبرى المتقدمة، نظرًا لأن إدارة الموانئ باتت تمثل قاسمًا مشتركًا أعظم في احتساب المردود المباشر وغير المباشر على الميزانية العامة للدولة صاحبة المشروع.  من هذا المنطلق، بذلت حكومة مملكة البحرين، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة حفظه الله ورعاه، جهودًا كبيرة في سبيل الارتقاء بالخدمات اللوجستية لمختلف قطاعات المناولة والتشغيل لضمان إمدادات عالية المستوى، ناهيك عن أن خدمات إدارة الموانئ أصبحت تمثل معاملاً تأثيريًّا قويًّا على مفردات الاقتصاد المتنوع، خاصةً خلال الأزمات التي يقاس معدل الأداء فيها بمعدل التحمل، وسرعة الإنجاز، وتجويد الخدمة والوصول بها إلى شبكة الأسواق العالمية وهي في حالة جيدة تمامًا. إن صناعة الحاويات أصبحت، في هذا العالم الصعب، مَثَلاً لقدرة الدول الكبرى على تسيير حركة الاقتصاد وتعظيم القيم المضافة وتفعيل العوامل اللوجستية، وصولاً إلى دولة الخدمات الممتازة التي تضع رؤية البحرين 2030 - 2050 نصب أعينها، لكي تحقق من خلاله معدل ثقة أكبر من الاقتصاديات العالمية والأسواق التجارية الإقليمية. إن تحقيق ميناء خليفة بن سلمان لهذه المكانة إنما يعني بأن الخطط الطموحة التي وضعتها مملكة البحرين في سبيل النهوض باقتصادنا الوطني تمضي نحو الهدف المرسوم لها بدقة واحترافية، ومن خلال جدول زمني محدد، تمامًا مثلما تؤكد أن إدارة المنظومة من خلال ما يمكن أن نسميه بـ”الأوت سورس” قد حقق الهدف من خلال الاستعانة بالشركات العالمية المتخصصة في إدارة الموانئ، إلى جانب ذلك الإرث الكبير من الخبرات الذي سوف تتركه على مختلف قطاعات الاقتصاد الوطنية القابلة للنمو، وتلك التي وصل التنويع فيها إلى مستويات متقدمة، بل وإلى محطات يمكن البناء عليها، والانطلاق منها وصولاً إلى اقتصاد المعرفة، ومن ثم إلى اقتصاد قادر على امتلاك خواصه التفاعلية وقدراته الذاتية بكل دقة وقدرة على الابتكار والمنافسة والمساهمة في تعزيز مختلف قطاعاتنا الاقتصادية بعون الله.