وهم الخبير
| د. جعفر محمد أحمد
في مجتمعاتنا المعاصرة، اكتسبت كلمة “خبير” سلطة تكاد تضاهي سلطة الحقيقة نفسها. يكفي أن يُسبق اسم شخص بهذا اللقب حتى تتراجع الأسئلة، وتخف حدة الشك، ويصبح الرأي أقرب إلى القبول التلقائي منه إلى الفحص والنقد. لكن المشكلة ليست في وجود الخبراء، فكل مجتمع يحتاج إلى أصحاب المعرفة والتجربة، إنما في الطريقة التي نتعامل بها مع مفهوم الخبرة نفسه. في منطقة الخليج، تأخذ هذه الظاهرة شكلًا خاصًا. فغالبًا ما تكتسب الخبرة الأجنبية قيمة تتجاوز مضمونها الفعلي. ليس لأن كل خبير أجنبي يفتقر إلى الكفاءة، بل لأننا كثيرًا ما نفترض الكفاءة قبل أن نختبرها. تتحول الجنسية أحيانًا إلى شهادة اعتماد غير معلنة، ويصبح القادم من الخارج موضع ثقة قبل أن يقدم دليلًا واحدًا على قدرته، بينما يُطلب من الخبير المحلي أن يثبت نفسه مرارًا وتكرارًا قبل أن يُمنح القدر نفسه من الثقة. هذه ليست مشكلة إدارية فحسب، بل مشكلة نفسية وثقافية أيضًا. فالإنسان بطبيعته يميل إلى ربط البعد الجغرافي بالتميز، وإلى الاعتقاد بأن الحلول القادمة من أماكن بعيدة تحمل قيمة أكبر من الحلول التي تنتجها البيئة المحلية. ولهذا نجد مؤسسات تدفع مبالغ طائلة مقابل تقارير واستشارات وخطط استراتيجية لا تختلف كثيرًا عما كان يمكن أن يقدمه أشخاص داخل المؤسسة نفسها لو أُتيحت لهم الفرصة والثقة. الأكثر إثارة أن بعض الخبراء لا يبيعون المعرفة بقدر ما يبيعون الانطباع بامتلاك المعرفة. فهم يتقنون اللغة المهنية، ويستخدمون المصطلحات الرائجة، ويعرضون نماذج وأطرًا تنظيمية جذابة، فيبدو حضورهم أكبر من أثرهم. وبعد سنوات من المشاريع والاجتماعات والعروض، تكتشف المؤسسة أنها استهلكت قدرًا هائلًا من الوقت والمال دون أن يتحقق التحول الموعود. التاريخ نفسه لا يدعم هذا الهوس بالخبير الخارجي. فالكثير من أعظم التحولات الاقتصادية والعلمية والإدارية في العالم لم يصنعها مستشارون متنقلون بين الفنادق وقاعات المؤتمرات، بل أشخاص عاشوا المشكلة من الداخل وفهموا تعقيداتها اليومية. المعرفة الحقيقية لا تنشأ دائمًا من المسافة، بل كثيرًا ما تنشأ من القرب. قضية كارلوس غصن مثال ممتاز لأنها تكشف هذا الخلط. عندما وصل غصن إلى نيسان عام 1999 كانت الشركة تعاني من أزمة حقيقية. نجح في خفض التكاليف، وإغلاق مصانع، وتسريح موظفين، وتقليص عدد الموردين، وخفض الديون بشكل كبير. الأسواق والمستثمرون أحبوا النتائج، وبدأت الصحافة العالمية تتحدث عن “المعجزة”. وتحول الرجل إلى نجم إداري عالمي، وأصبح ضيفًا دائمًا على كتب القيادة والمؤتمرات الإدارية. لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: ماذا بنى غصن فعلًا؟ هل بنى ثقافة مؤسسية قادرة على الاستمرار بدونه؟ هل بنى صفًا قياديًّا يستطيع قيادة الشركة بعد رحيله؟ هل خلق نموذجًا يجعل نيسان قادرة على النجاح بصورة مستقلة لعقود؟ الواقع أن كثيرًا من إنجازاته كانت أقرب إلى إعادة هيكلة مالية وتشغيلية منها إلى بناء مؤسسة مستدامة. ولذلك عندما خرج من المشهد، بدأت مشكلات الحوكمة، والصراعات الداخلية، والتراجع الاستراتيجي بالظهور من جديد. ولو كانت المؤسسة قد تحولت فعلًا إلى منظمة قوية ذاتيًا، لما كان رحيل شخص واحد قادرًا على كشف هذا الحجم من الهشاشة. على الطرف النقيض/ خذ مثلًا شركة تويوتا. النظام الذي أصبح يُدرّس اليوم في كليات الإدارة تحت اسم Toyota Production System لم يُصممه مستشار عالمي، ولم يأتِ به خبير أجنبي يحمل إطارًا جاهزًا. بل نشأ تدريجيًّا على يد (تاييتشي أونو) وغيره من العاملين داخل الشركة الذين كانوا يقفون يوميًا على خطوط الإنتاج ويواجهون مشكلات الهدر والتأخير والجودة. ما أصبح لاحقًا “أفضل ممارسة عالمية” بدأ كمحاولة محلية لحل مشكلات محلية. الأمر نفسه ينطبق على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. صحيح أن اليابان استفادت من خبرات أجنبية عديدة، مثل أفكار (إدوارد ديمنغ) في الجودة، لكن التحول الياباني لم يصنعه ديمنغ نفسه. لو كانت المحاضرات وحدها تكفي لصناعة المعجزات الاقتصادية لكانت عشرات الدول التي استمعت إلى (ديمنغ) حققت النتيجة نفسها. الذي صنع التحول هو آلاف المديرين والمهندسين اليابانيين الذين ترجموا الأفكار إلى ممارسات داخل مصانعهم وشركاتهم. ولا يعني ذلك تمجيد المحلي أو رفض الأجنبي. فالحكمة ليست حكرًا على جنسية، والجهل ليس حكرًا على أخرى. لكن المؤسسة الناضجة لا تسأل: من أين جاء هذا الخبير؟ بل تسأل: ماذا أنجز؟ وما الدليل على أن ما يقوله يعمل فعلًا؟ فالخبرة ليست لهجة، ولا جواز سفر، ولا سيرة ذاتية براقة. الخبرة هي القدرة على فهم الواقع كما هو، ثم تحسينه بطريقة يمكن قياس أثرها. وكل ما عدا ذلك قد يكون مجرد صورة أخرى من صور الوهم الذي اعتدنا أن نطلق عليه اسم “الخبير”.
*كاتب بحريني