الأم الرقمية والأب الغائب
| نعمات مدحت
عندما يعود الطفل من المدرسة، من الذي يستقبله: أمه أم هاتفه؟ وما الذي يجيب على أسئلته: أبوه أم محرك البحث؟
بهذه الأسئلة تعاطت بحوث الخريجين من الجامعات مع الظاهرة بهلع رجل الشارع العادي، وليس بحكمة فيثاغورث أو معادلات إسحاق نيوتن. وهكذا كانت الصدمة أمام الباحثين وهم يعثرون على إجابات محيطة، وعلى نتائج مخيبة للآمال، فالتكنولوجيا التي كافح الإنسان لكي يطورها انقلبت عليه، والحلول الرقمية للمعضلات المجتمعية تم استبدالها بأم رقمية، وربما بأم روبوت في منتهى الحنية، وأب خارج الخدمة، لكنه ماكينة صراف آلي على مدار الساعة.
هكذا نعيش واقعنا الرقمي باختصار شديد، لا الأم ما زالت أمًا، ولا الأب يدرك مسؤولياته، أما الطفل فهو الضحية، والمستقبل المجهول هو الذي سوف يحتضنه. لا هوية له، لا لغة مؤكدة تدل على هذه الهوية، لا تاريخ سيُكتب، ولا حكايات ستُروى، ولا ذكريات سوف تشق مجاريها عبر العقل الجمعي للأمة.
للأسف الشديد، لقد فرحنا بإتقان التكنولوجيا، وتنافسنا لكي نعلمها لأطفالنا، بذلنا الغالي والنفيس، واستدنا من البنوك لكي يلتحق أبناؤنا بأرقى المدارس التكنولوجية، وتلك التي تعلم اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية، وأصبحنا نتباهى بأننا نجحنا في استبدال الأم الآسيوية التي تعمل كخادمة منزل في بعض بلادنا العربية بأم إلكترونية على أحدث طراز، بهاتف خلوي عليه من منصات الأمومة والطفولة والأبوة ما يحقق الأمن والأمان المزعومين لأطفالنا، وما يبتعد بهم عن قيمنا وأخلاقنا وإنسانيتنا كثيرًا عما تربينا وحرصنا عليه، وهنا نشأنا وترعرعنا في كنفه.
يقول العالم السويسري ستيفان جاريللي في إحدى ندواته العلمية مع مطلع الألفية: إن التاريخ سوف يبدأ غدًا، ذلك أنه كان يرى من ثقب إبرة أن الكون التكنولوجي البازغ سوف يلغي التاريخ، لأنه سيلغي الذاكرة، وأن هذه الذاكرة التي اعتمدت لقرون طويلة على استنهاض العبر والدروس من تجارب الماضي، يمكنها استخلاص أي شيء وكل شيء من جهاز بحجم الكف له ذاكرة تعادل ملايين أضعاف ذاكرة الإنسان من حيث السعة والحجم والتحكم وسرعة الاستنتاج، وأن الإنترنت سوف يلعب دورًا شاملًا جامعًا للبشرية من دون الحاجة للسفر أو الهجرة أو الاستعانة بوسيلة مواصلات عبقرية.
في ذلك الوقت، أي مع مطلع الألفية، تهكم الناس في بلادنا على العالم السويسري، لم يصدقوه، ولم يسألوه: من أين له هذا؟ وكيف جاء به إلى شرق أوسطنا القديم، وإلى عقول أصحاب العقول العامرة بالذكريات والروايات والأساطير التاريخية الباهرة؟
ونحمد الله أن جاريللي لم يتحدث ساعتها عن الأم الرقمية، ولا الزوجة الروبوت، ولا الأب الذي يحركه تطبيق على هاتف، أو رقم على جهاز، أو محرك بحث على قد الحال الإلكتروني الحديث، حيث إن ما أوتينا من العلم إلا قليلًا، وما جنيناه بجهلنا هباءً، وساء سبيلًا.