لقطة

تايلاند أمام اقتصاد المونديال الخفي

| عبدالله بوقس

لا‭ ‬تدخل‭ ‬منافسات‭ ‬بطولة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2026‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الملاعب‭ ‬والمدرجات‭ ‬وحدها؛‭ ‬ففي‭ ‬تايلاند‭ ‬ظهرت‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية،‭ ‬حيث‭ ‬يتشكل‭ ‬حول‭ ‬المونديال‭ ‬اقتصاد‭ ‬خفي‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬الأضواء،‭ ‬بل‭ ‬تحركه‭ ‬أموال‭ ‬تتسرب‭ ‬بصمت‭. ‬وبينما‭ ‬تتجه‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية،‭ ‬وجدت‭ ‬بانكوك‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬من‭ ‬يرفع‭ ‬الكأس،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يلتقط‭ ‬المال‭ ‬المتفلت،‭ ‬وكيف‭ ‬يتحول‭ ‬الحدث‭ ‬الرياضي‭ ‬الأكبر‭ ‬إلى‭ ‬امتحان‭ ‬اجتماعي‭ ‬واقتصادي‭.‬

ومؤخراً،‭ ‬كثّفت‭ ‬السلطات‭ ‬التايلاندية‭ ‬حملتها‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬وروابط‭ ‬المراهنات‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬قبل‭ ‬انطلاق‭ ‬البطولة،‭ ‬إذ‭ ‬ذكرت‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬والمجتمع‭ ‬أنها‭ ‬حجبت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬673‭ ‬ألف‭ ‬رابط‭ ‬وصفحة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الثمانية‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬المالية‭. ‬ولا‭ ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬إلكتروني‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬الركود‭ ‬الظاهر،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬الظل‭. ‬فحين‭ ‬تتحول‭ ‬المباراة‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬لإنفاق‭ ‬غير‭ ‬منضبط،‭ ‬لا‭ ‬تخسر‭ ‬الأسرة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يتضرر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرسمي‭ ‬أيضاً،‭ ‬إذ‭ ‬يتسرب‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬إلى‭ ‬قنوات‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬وظيفة‭ ‬واضحة،‭ ‬ولا‭ ‬ضريبة‭ ‬عادلة،‭ ‬ولا‭ ‬قيمة‭ ‬إنتاجية‭ ‬مستدامة‭.‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬دلالتها‭ ‬الأعمق‭ ‬حين‭ ‬تُقرأ‭ ‬ضمن‭ ‬السياق‭ ‬التايلاندي‭ ‬الأوسع؛‭ ‬فالبلاد،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصادات‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬تواجه‭ ‬تباطؤاً‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والسياحة،‭ ‬بعدما‭ ‬خفض‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬توقعات‭ ‬نمو‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬1‭.‬5‭%‬،‭ ‬مع‭ ‬تأثر‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬باضطرابات‭ ‬السفر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتصعيد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬حملة‭ ‬المونديال‭ ‬إجراءً‭ ‬أمنياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لحماية‭ ‬الدورة‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬تسرب‭ ‬جديد‭ ‬نحو‭ ‬مقامرة‭ ‬رقمية‭ ‬عابرة‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬دلالة‭ ‬تايلاند‭ ‬للقارئ‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬اقتصادية‭ ‬مباشرة‭. ‬فدول‭ ‬الخليج،‭ ‬وهي‭ ‬توسّع‭ ‬اقتصاد‭ ‬الترفيه‭ ‬والرياضة‭ ‬والسياحة‭ ‬الرقمية،‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬سؤال‭ ‬جذب‭ ‬الجمهور‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬سؤال‭ ‬حماية‭ ‬هذا‭ ‬الجمهور‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الجانبية‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ ‬حول‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭. ‬وما‭ ‬تكشفه‭ ‬بانكوك‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬الإنفاق،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ذهابه‭ ‬إلى‭ ‬مسارات‭ ‬غير‭ ‬منظمة‭ ‬تستنزف‭ ‬الأسر،‭ ‬وتضعف‭ ‬العائد‭ ‬العام،‭ ‬وتحول‭ ‬الشغف‭ ‬الرياضي‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬اقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬كلفة‭ ‬اجتماعية‭ ‬خفية‭.‬

كما‭ ‬تكشف‭ ‬الحالة‭ ‬التايلاندية‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬ليس‭ ‬قصة‭ ‬تطبيقات‭ ‬وذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قصة‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬اقتصاد‭ ‬رسمي‭ ‬يريد‭ ‬التوسع،‭ ‬واقتصاد‭ ‬ظل‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يستغل‭ ‬المناسبات‭ ‬الكبرى‭. ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬تتسع‭ ‬فيه‭ ‬المدفوعات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وتنتقل‭ ‬الرغبات‭ ‬بسرعة‭ ‬الشاشة،‭ ‬تصبح‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬النمو‭.‬

لذلك،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬تايلاند‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬كأس‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬مختلف‭. ‬فالمباراة‭ ‬هناك‭ ‬لا‭ ‬تُلعب‭ ‬على‭ ‬العشب،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المنظم‭ ‬والمال‭ ‬المتسرب،‭ ‬وبين‭ ‬المتعة‭ ‬والخطر‭. ‬فالربح‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬البطولة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تحميه‭ ‬دولة‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تمنع‭ ‬خسائرها‭ ‬الصامتة‭ ‬قبل‭ ‬صافرة‭ ‬النهاية‭ ‬بوقت‭ ‬طويل‭.‬