يا مير: عقبك ويش أسوي بالورق؟.. كيف تنبأ بدر بن عبد المحسن بعصر ضياع الرسائل؟

| د.محمد الزكري

قد لا تكون هذه مجرد جملة شعرية قالها الأمير بدر بن عبد المحسن، بل سؤال حضاري مبكر طرحه شاعر رأى ما هو أبعد من لحظة العشق، وأبعد من امرأة جاءت ردت رسائل حبيبها واسترجعت خصلة من جدايلها. كان يسأل عن مصير الإنسان عندما تتحول المشاعر إلى أوراق ممزقة، والذكريات إلى رماد.

في ذكرى رحيل الأمير بدر بن عبد المحسن، تبدو "الرسايل" عملاً يتجاوز الأغنية إلى قراءة مبكرة لزمن قادم، وكأن الشاعر كان يقتنص اللحظة التاريخية التي كانت تعيشها الجزيرة العربية في مطلع السبعينيات.

كان عام 1974 عاماً استثنائياً. ثورة النفط غيرت الاقتصاد والمجتمع، وتحولت الحياة بسرعة لم تعرفها المنطقة من قبل. كانت المدن تكبر، والثروات تتضاعف، والعلاقات الإنسانية تدخل مرحلة جديدة من التعقيد. وفي خضم هذا التحول كتب بدر قصيدة تبدو ظاهرياً قصة فراق، لكنها في عمقها دفاع عن الحب الحقيقي في زمن التغيرات الكبرى.

الورق في القصيدة ليس ورق الرسائل فقط. إنه ذاكرة الإنسان. إنه العهد. إنه التاريخ الشخصي الذي يخشى الشاعر أن تلتهمه الحياة الجديدة. حين يقول:

"لا تردين الرسايل.. ويش أسوي بالورق وكل معنى للمحبة.. ذاب فيها واحترق"

فإنه لا يبكي حبيبته وحدها، بل يبكي احتراق المعاني نفسها. كأن الحب أصبح شيئاً قابلاً للاستهلاك، وكأن المشاعر ستدخل سوق العرض والطلب كما دخلت كل تفاصيل الحياة الحديثة. هذه هي فلسفة بدر بن عبد المحسن. لم يكن يكتب الحدث، بل يكتب أثر الحدث على الروح الإنسانية. ولذلك بقيت قصائده عصية على الزمن. لكن العبقرية لم تتوقف عند النص.

كان لا بد من صوت يستطيع حمل هذه الفلسفة إلى الناس. جاء محمد عبده في بداياته الفنية، لا ليغني الكلمات فحسب، بل ليعيد خلقها. لقد فهم أن الأغنية ليست لحناً جميلاً، وإنما مسرح كامل للمشاعر. افتتحها بالموال.

والموال في الثقافة العربية ليس مقدمة موسيقية، بل إعلان حزن.

"وليلة كانت الفرقى.. وقالت لي فمان الله"

كأن المستمع يدخل من الباب الخطأ إلى الحكاية، فيعرف النهاية قبل البداية، ثم يعيش تفاصيل الانكسار خطوة بخطوة.

لم يكن محمد عبده يؤدي الأغنية. كان يمثلها. عندما يصرخ في "وقالت لي"، ثم يخفض صوته في "فمان الله"، فإننا أمام ممثل صوتي يعرف كيف تتحول الكلمة إلى صورة، والصورة إلى وجع.

حتى أن الروايات الفنية تذكر أن ملحن الأجيال محمد عبد الوهاب استمع إلى الأغنية عندما دعي للاستماع إلى صوت محمد عبده، فقال عبارته الشهيرة التي أصبحت جزءاً من تاريخ الأغنية العربية: إن عملاً بهذه الروعة يكفي للتعريف بصاحبه.

ولعل محمد عبد الوهاب، بخبرته الطويلة، أدرك ما لم يدركه كثيرون آنذاك. أن الأغنية السعودية دخلت مرحلة جديدة.

"الرسايل" لم تكن مجرد نجاح محلي، بل كانت إعلاناً بأن القصيدة الخليجية قادرة على منافسة الأغنية العربية الكبرى، وأن اللهجة المحلية تستطيع أن تحمل أعمق المشاعر الإنسانية. أما الموسيقى، فقد جاءت شريكاً في صناعة المعنى. تتنقل بين المقامات والإيقاعات كما تتنقل النفس البشرية بين الذكرى والإنكار، وبين الحنين والغضب، وبين الاستسلام والرجاء.

وحين يصل النص إلى:

"يا ليت البسمة ما كانت ولا الإحساس.. يا ليت الدنيا خانتني وكل الناس.. ولا خنتي هواي انتي."

يتحول الفراق إلى فلسفة أخلاقية. يمكن للإنسان أن يحتمل خيانة العالم كله، لكنه لا يحتمل سقوط المعنى الذي بنى عليه قلبه.

هنا تكمن عبقرية بدر بن عبد المحسن. لقد كان شاعراً للتغيرات الكبرى. كان يرى أن الحضارات لا تنهار عندما تفقد المال، وإنما عندما تفقد المعاني. وإذا كانت الرسائل الورقية قد اختفت اليوم، فإن سؤال بدر لا يزال معلقاً فوق رؤوسنا جميعاً.

ويش أسوي بالورق؟

وكأن السؤال بعد نصف قرن أصبح أكثر اتساعاً:

ماذا سنفعل بالصور؟ وماذا سنفعل بالرسائل الإلكترونية؟ وماذا سنفعل بالذكريات في زمن السرعة؟ وماذا سنفعل بالمحبة إذا احترقت معانيها؟

ربما لهذا السبب لم تمت "الرسايل" لأنها لم تكن أغنية عن امرأة رحلت. كانت مرثية مبكرة لزمن جميل كان الشاعر يعرف أنه سيرحل، ورسالة حب إلى إنسان يخشى أن تضيع روحه وسط ضجيج الحضارة. وفي ذكرى رحيل الأمير بدر بن عبد المحسن، ندرك أن الشعراء الكبار لا يصفون زمانهم فحسب، بل يسبقونه. لقد اقتنص بدر الزمن، ووضعه في ورقة صغيرة، ثم سلمها إلى صوته الآخر محمد عبده، لتطير بها الألحان في فضاء العرب،

ويبقى بعد خمسين عاماً السؤال نفسه:

"يا مير: عقبك.. ويش أسوي بالورق؟"