حين تلتقي الفرشاة بالخوارزمية
| إسحاق الكوهجي
في أحد المعارض الفنية، وبين لوحات تنبض بالألوان والحكايات، دار نقاش طويل بين مجموعة من الفنانين التشكيليين حول الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالفن. كان الحوار ثريًا وممتعًا، لكنه كشف عن اختلاف حقيقي في الرؤى. فهناك من يرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة جديدة للفنان، وهناك من يتخوف من أن يسلب الفن روحه ويقلل من قيمة الإبداع الإنساني. جلست أستمع للجميع باحترام، فلكل رأيه الذي يستحق أن يُسمع، ولكل تجربة ما يدعمها من قناعة. لكنني تذكرت في تلك اللحظة أن البشرية مرت بمثل هذه النقاشات مرارًا عبر تاريخها. عندما ظهر الراديو، خشي البعض تأثيره على المجتمع، وعندما ظهر التلفاز، رفضه آخرون في بداياته، وعندما دخل الحاسوب حياتنا، ظن بعض الناس أنه سيعزل الإنسان عن واقعه. ثم جاءت الهواتف الذكية، فغيّرت أسلوب حياتنا بالكامل. واليوم يقف الذكاء الاصطناعي أمامنا كواحد من أكبر التحولات التقنية التي يشهدها العصر. وهنا خطر ببالي سؤال بسيط: هل المشكلة في الأداة نفسها أم في طريقة استخدامها؟ فقلت لصديقي الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع أن تكون فنانًا؟ هل تستطيع أن تشعر بالحنين إلى طفولتك؟ هل تستطيع أن تحب وطنك؟ هل تستطيع أن تدافع عن قضية عادلة أو أن تتأثر بدمعة أم أو ابتسامة طفل؟ فأجابني: أنا أستطيع أن أساعدك، لكنني لا أستطيع أن أكون أنت. لا أملك ذكرياتك، ولا طفولتك، ولا تجاربك، ولا مشاعرك، ولا ثقافتك التي صنعتها سنوات العمر. أستطيع أن أساعدك في تحسين الألوان، أو رفع درجة الوضوح، أو تسريع بعض الإجراءات الفنية، لكنني لا أستطيع أن أزرع الروح في العمل الفني. فالروح ما تزال ملكًا للإنسان. عندها أدركت أن كثيرًا من الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي بقدر ما يتعلق بفهم دوره الحقيقي، فالذكاء الاصطناعي ليس فنانًا، لكنه ليس عدوًا للفنان أيضًا. إنه أداة جديدة بين يديه، والفنان عبر التاريخ لم يتوقف عند أداة واحدة. فمنهم من رسم بالفحم، ومنهم من رسم بالألوان الزيتية، ومنهم من استخدم الألوان المائية، ومنهم من ابتكر الرسم بالرمال أو الأقمشة أو الورق، أو بمواد لم تكن مألوفة من قبل. ولو أن الفنانين اتفقوا جميعًا على أداة واحدة، لتوقف الفن عن التطور، فالفن لا يعيش في الجمود، بل يزدهر في التجديد. وهنا أطرح سؤالًا آخر: إذا كان استخدام أداة حديثة يلغي صفة الفنان، فهل ألغت الكاميرا صفة المصور؟ وهل ألغى الحاسوب صفة المهندس؟ وهل ألغت الأجهزة الطبية الحديثة صفة الطبيب؟ بالتأكيد لا. لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بالأداة التي يستخدمها، بل بما يقدمه من فكر وخبرة وإبداع. واليوم تستخدم المستشفيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص والمساعدة على إجراء عمليات دقيقة. وتستخدمه الصناعات الكبرى في التطوير والإنتاج. وتستخدمه الطائرات وأنظمة الملاحة والدفاع والحماية. بل إن كثيرًا من جوانب الحياة الاقتصادية والتجارية والتعليمية أصبحت تستفيد من الخوارزميات والذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة. فهل نقبل هذه التقنية في كل المجالات ونرفضها في الفن وحده؟ إن القضية في نظري ليست قبول الذكاء الاصطناعي أو رفضه. القضية هي كيف نستخدمه، فهناك فرق كبير بين شخص يضغط زرًا وينسب الناتج إلى نفسه دون أي جهد أو رؤية أو إضافة، وبين فنان يمتلك فكرة ورسالة وثقافة وخبرة، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة ضمن أدواته المتعددة.. الأول يعتمد على الأداة، أما الثاني فيقود الأداة، وهنا يكمن الفرق، فالفن التشكيلي لم يكن يومًا مجرد نقل لما تراه العين، وإلا لأصبحت الكاميرا أعظم فنان في التاريخ. الفن أعمق من ذلك بكثير، إنه حنين وذاكرة وثقافة ورسالة، إنه حب للوطن، وتأمل في الحياة، وقراءة للمجتمع، ودفاع عن القيم الجميلة. إنه قدرة على تحويل اللون إلى مشاعر، والخط إلى حكاية، واللوحة إلى رسالة إنسانية تعبر الأزمنة. ومن هنا فإن الفنان الحقيقي لا يخاف من الأداة الجديدة، لأنه يعلم أن قيمته لا تكمن في الفرشاة وحدها، ولا في الحاسوب، ولا في الذكاء الاصطناعي. قيمته الحقيقية تكمن في الفكرة التي يبتكرها، والرسالة التي يحملها، والبصمة التي لا تشبه سواه. ولعل الحكمة التي تعلمناها من التاريخ تقول: “الأدوات تتغير، أما الإبداع فيبقى”، وتقول حكمة أخرى: “من يقف في وجه الزمن يتعب، ومن يفهم الزمن يستفيد منه”. لذلك لا أرى أن الذكاء الاصطناعي جاء ليسرق الفن من الفنان، بل جاء ليضيف إليه بابًا جديدًا من أبواب التطور، وقد يحسن البعض استخدامه، وقد يسيء البعض استخدامه، لكن ذلك لا يغير من حقيقة بسيطة: أن الإنسان هو من صنع هذه التقنية، وأن الإنسان سيظل هو صاحب الفكرة والرسالة والوجدان... أما الفن، فسيبقى كما كان دائما... سماءً واسعة لا تحدها أداة، ولا يقف أمامها باب. فكلما ظن الناس أنهم بلغوا نهايته، فتح لهم أفقًا جديدًا من الإبداع.
*كاتب بحريني