ولايةُ الفقيهِ… ولايةُ الفتنة
| عيسى عبدالرحمن الحمادي
ما أوقحَ الازدواجَ إذا لبس ثوبَ الممانعة، وما أقبحَ الجبنَ إذا تسمّى شجاعة، وما أفضحَ النظامَ الإيراني حين تعلو عليه الضربة من أمريكا أو إسرائيل، فلا يملك لها ردًّا، ولا يطيق لها صدًّا، ثم يلتفت إلى الخليج العربي آثمًا معتديًا، وإلى البحرين والكويت خاصةً في هذه الأيام مهددًا متوعدًا؛ كأنما العجز عنده بطولة، والفرار من المواجهة عقيدة، والاعتداء على الآمنين فروسية.
ذلك هو نظام ولاية الفقيه؛ إذا خاصم الكبار أوعد، وإذا عجز عن الرد عربد، وإذا ضاق عليه الميدان أطلق أذرعه في كل مكان. يزعم أنه يطلب العدو، ثم يفتش عن الجار، ويدّعي أنه يقاتل المحتل، ثم يهدد المستقر، ويرفع راية القدس في الكلام، ثم يطعن عواصم العرب في الظلام.
وليست ولايةُ الفقيهِ المطلقةُ إلا صناعةً خمينيةً سياسية أُلبست ثوبَ الفقه، وسُلّطت بسيفِ الدولة، وسُوّقت باسمِ المذهب؛ وقد خالفتها المدرسةُ الهادئة في النجف، ولم يتبنَّها كبارُ المراجع والمفكرين، من البروجردي والخوئي والسيستاني، إلى شمس الدين والمنتظري وكديور وبازركان. فليست إجماعًا شيعيًا، ولا أصلًا عقديًا، بل سلطانٌ سياسيٌّ تزيّا بزيّ الدين، ووهمٌ حزبيٌّ تستّر بستار اليقين.
وما أكذبَ حجة نظام ولاية الفقيه حين يقول إنه يستهدف المصالح الأمريكية؛ فأيُّ مصالح للأمريكان في بيوت مدينة حمد؟ وأيُّ معسكر في منزلٍ آمن؟ وأيُّ هدفٍ عسكري في طفلةٍ بحرينيةٍ بطلةٍ لم تحمل إلا براءة العمر وصفاء القلب؟ إنما هي ذريعةُ من أفلس، وحيلةُ من انكشف، وتدليسُ من أراد أن يغطي الإرهاب باسم السياسة، والعدوان باسم المقاومة، والجبن باسم المواجهة.
لقد بان الحقدُ من بين حروفهم، وخرج السمُّ من أفواههم، وسقط القناعُ عن وجوههم؛ فليس في الأمر تحريرٌ ولا مصير، ولا ممانعةٌ ولا ضمير، بل مشروعُ نفوذٍ يتمدد، وحقدٌ يتجدد، وعقلٌ سياسي لا يعرف من الجوار إلا التدخل، ولا من الخلاف إلا التخريب، ولا من القوة إلا التهريب من المواجهة إلى التهديد، ومن الميدان إلى الوعيد؛ يبطش حيث يظن العبث يسيرًا، ويختبئ حيث يرى الرد عسيرًا.
وفي الوقت ذاته برهنت قوة دفاع البحرين، كما أرادها دومًا سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه، منذ انبلاج الضوء الأول عند تأسيسها، أنها الحصن المنيع إذا ادلهمّ الخطب، والدرع إذا اشتدّ الكرب، والسياج إذا طمع الطامعون وتربص المتربصون. وبقيادة صاحب المعالي المشير خليفة بن أحمد آل خليفة، رجل المواقف والأيام الصعبة، دحرت الشر ومنعت أن يصل إلى بلادنا، بأدائها واحترافيتها وجاهزيتها وقدراتها العالية، فكانت عنوانًا للكفاءة والانضباط، ومثالًا للإخلاص والثبات، وسندًا للسيادة والاستقرار. رجالٌ نذروا أنفسهم للوطن، فكانوا إذا نادى الواجب حضورًا، وإذا استدعت السيادة صمودًا، وإذا أراد الحاقدون شرًّا وجدوا أمامهم بأسًا لا يلين، وعزمًا لا يستكين، ويقظةً لا تغفل، ورايةً لا تنحني إلا لله.
ويا خزيَ من صفّق لنظام ولاية الفقيه وأذرعه، ويا عارَ من برّر تهديده لأرض وطنه، ويا بؤسَ من جعل ولاءه لغير البحرين، وقلبه مع غير أهلها، وصوته مع من يتربص بها. فالخيانة لا تسترها عباءة الدين، ولا يغسلها شعار، ولا يبرئها بكاءٌ على فلسطين وقد جعلوها متجرًا للكذب، وسوقًا للمزايدة، وغطاءً لكل فشلٍ وخيبةٍ وانكسار. وهنا يثبت فضلُ وزارة الداخلية، بقيادة معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، راشد البحرين، وقد نجحت الوزارة بيقظة كوادرها واقتدارها، وبعين القانون وسيف العدالة، في تجريد تلك الشبكات من دعاواها، وفضح أكاذيبها وخفاياها، وإسقاط أقنعتها وادعاءاتها، حتى بان المستور، وسقط الزور، وانكشف من كان يتستر بالدين وهو يعمل ضد الوطن، ويتغنى بالمقاومة وهو يبيع الناس الوهم، ويقتات على التدليس، ويعيش على الخداع والتلبيس.
وفي هذا المقام، تحيةٌ للوطنيين البحرينيين كافة، من مختلف مذاهبهم ومشاربهم، ومن سائر أطيافهم ومكوناتهم، الذين علا صوتهم بعد أن كان مكتومًا، وظهر موقفهم بعد أن كان محسوبًا، وقالوا اليوم بوضوحٍ لا لبس فيه: إن أكذوبة ولاية الفقيه قد تجرّدت من ردائها، وسقط عنها ستارها الديني المزيّف، وانكشف ما تحتها من سياسةٍ عارية، وفتنةٍ جارية، وعداوةٍ بادية. فالولاء للبحرين لا يُقاس بالشعار، بل يثبت عند الأخطار؛ ومن كان وطنه قبلته في الشدة، وقيادته عهده في الغُمَّة، وشعبه أهله في الفتنة، فذلك هو البحريني الحق، وذلك هو الوطني الصادق، وذلك هو الصوت الذي يبقى حين تسقط الأصوات، وتنجلي الغشاوات، وتُعرف المعادن في الملمات.
وستبقى البحرين، بإذن الله، حرةً أبيةً عصيةً على الحاقدين والمتربصين، ثابتةَ الجنان راسخةَ البنيان، تمضي بقيادة سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، ومستمرةً في مسيرة الإنجاز الوطني والتنمية الشاملة، مسترشدةً بتوجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، الذي يقود مسارات العمل الوطني بكل حكمة واقتدار في مختلف القطاعات، ويواصل ترسيخ أسس التقدم والازدهار، لتبقى البحرين وطنَ الأمن والاعتدال، ودولةَ الإنجاز والآمال، وعنوانَ الاستقرار عبر الأجيال.