بُو وَشْم
| شيرين فريد
عزيزي القارئ ، في مجالس الآباء والأجداد، حيث تُصان القيم وتُروى سير الرجال، لم تكن الرجولة تُقاس بالمظاهر ولا بما يُنقش على الأجساد، بل بالمواقف والشهامة وحفظ الكلمة واحترام الناس. هناك تعلّم أبناء البحرين أن الحياء زينة، وأن الستر من مكارم الأخلاق، وأن قيمة الإنسان فيما يحمله من مبادئ لا فيما يعرضه من مظاهر. لم يكن المجتمع البحريني يومًا مجتمع مظاهر بقدر ما كان مجتمع قيم. فالرجل فيه يُعرف بموقفه لا بمظهره، وبكلمته لا بصورته، وبأثره الطيب بين الناس لا بما يحمله على جسده من علامات أو شعارات. وقد نشأت هذه المنظومة الأخلاقية من عمق البيئة البحرينية التي جعلت الشهامة والرجولة والحياء والستر ركائز أساسية في بناء الإنسان البحريني . وفي الفرجان القديمة كانت التربية تبدأ من احترام الكبير، وصون الجار، وإغاثة المحتاج، وحفظ الأسرار، والابتعاد عن كل ما يسيء إلى سمعة الإنسان وأهله. وكانت الرجولة تُقاس بقدر تحمل المسؤولية، والوفاء بالعهد، والقدرة على كظم الغيظ، لا بالصوت المرتفع ولا بحب الظهور. وكان الرجل إذا أخطأ استحيا من خطئه وسعى إلى إصلاحه، لأن الموروث الشعبي كان يؤمن بأن الستر من مكارم الأخلاق، ولذلك تناقلت الأجيال الحكمة المعروفة "إذا بُليتم فاستتروا". لقد امتزجت ثقافة البحر والنخلة والسوق والمجلس في المجتمع البحريني، ومنها تشكلت هوية اجتماعية تقوم على التواضع والاحترام والتكافل. فالغواص الذي يواجه البحر بشجاعة، والفلاح الذي يصبر على الأرض، والتاجر الذي يحفظ الأمانة، جميعهم أسهموا في ترسيخ صورة الإنسان البحريني المعروف بالنخوة والكرم وحسن المعشر. ولم تكن الأخلاق ترفًا اجتماعيًا، بل كانت رأس المال الحقيقي الذي يورثه الآباء للأبناء. أما "بُو وَشْم"، ذلك الذي يحرص على نقش العلامات على جلده أو استعراض كل ما يملك ويفعل، والذي أصبح في بعض الأحيان رمزًا لحب الظهور أكثر من كونه تعبيرًا عن الذات؛ فليس له مكان وسط مجتمع تأسس علي الرجولة الحقيقية والمروءة والاحترام أينما حل، بينما يظل من يجعل من الابتذال منهجًا ومن الإثارة وسيلةً للفت الأنظار بعيدًا عن مكانة الرجال الذين تبنى المجتمعات عليهم آمالها وثقتها. فالمجتمع لا يحتاج إلى نماذج تُزين الانحراف وتتشبه بثقافات غربية مُسيئة لأعرافنا وقيم مجتمعنا، بل إلى قدوات تعزز قيم الاحترام والحياء والالتزام. والمشكلة ليست في الوشم ذاته، بل في تحويل الخصوصية إلى استعراض، والقيم إلى مادة للضجيج. إن السعي وراء لفت الأنظار أو كسر الأعراف والتشبه بثقافات غربية غير لائقة من أجل الشهرة أو التشدق بمفاهيم الحرية ؛ليست سوي ابتذالا لأن الحرية الحقيقية لا تعني تجاهل الأعراف ،وحين يقدم البعض المُجون والتباهي على أنهما قوة أو تحضر، فإنهم يرسلون رسائل خاطئة إلى النشء الباحث عن القدوة. فالمجتمعات لا تُبنى بأصحاب الضجيج، ولذلك لم يكن لأهل الاستعراض مكانة في مجالس الرجال بقدر ما كانت المكانة لأهل العلم والحكمة والرأي والخلق الحسن. إن الأخلاق التي صنعت مكانة المجتمع البحريني ما زالت هي المعيار الحقيقي لقيمة الإنسان. ولهذا يبقى أجمل وشم يحمله الإنسان هو أثر التربية الحسنة في سلوكه، وأصدق هوية يعتز بها هي أخلاقه التي ورثها عن آبائه وأجداده، لأنها وحدها ما يبقى حين تذبل المظاهر وتختفي الضوضاء.