الانتحار الرقمي.. حين تهمل المؤسسات مواقعها الرسمية

| موسى عساف

قبل‭ ‬أيام،‭ ‬وخلال‭ ‬بحثي‭ ‬عن‭ ‬معلومات‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬لإحدى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية،‭ ‬تفاجأت‭ ‬بأن‭ ‬آخر‭ ‬تحديث‭ ‬لأخبار‭ ‬الموقع‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يناير‭ ‬الماضي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خلو‭ ‬الموقع‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬تحديثات‭ ‬للتقارير‭ ‬المنشورة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفعني‭ ‬لاستعراض‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬لأتفاجأ‭ ‬بأنها‭ ‬أيضا‭ ‬قد‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬متاحف‭ ‬إلكترونية،‭ ‬لا‭ ‬تسمن‭ ‬ولا‭ ‬تغني‭ ‬عن‭ ‬جوع‭ ‬المعلومة‭.‬

اليوم‭ ‬أصبحت‭ ‬المعلومة‭ ‬تنتقل‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬ثوان،‭ ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تدفق‭ ‬البيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬والأخبار‭ ‬مجرد‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لإدارة‭ ‬المجتمعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬وجزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬ثقة‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭. ‬ومع‭ ‬الانتشار‭ ‬الكبير‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وتطبيقات‭ ‬البيانات‭ ‬الضخمة،‭ ‬والتي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬محدثة‭ ‬ودقيقة،‭ ‬أصبحت‭ ‬السرعة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬معايير‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬ومصداقيتها،‭ ‬لأن‭ ‬المعلومة‭ ‬المتأخرة‭ ‬لا‭ ‬تفقد‭ ‬بريقها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تفقد‭ ‬قيمتها‭ ‬بالكامل‭.‬

ما‭ ‬لاحظته‭ ‬شخصيا‭ ‬أنه‭ ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك؛‭ ‬تحول‭ ‬اهتمام‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬اعتمادها‭ ‬كقناة‭ ‬رئيسة‭ ‬للنشر‭ ‬والتواصل،‭ ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬بريق‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬وما‭ ‬تحققه‭ ‬من‭ ‬تفاعل‭ ‬سريع،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التنظيم‭ ‬الهيكلي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬صعوبة‭ ‬أرشفة‭ ‬البيانات‭ ‬فيها،‭ ‬لذلك‭ ‬أعتقد‭ ‬أنها‭ ‬تقدم‭ ‬للمستثمر‭ ‬أو‭ ‬الباحث‭ ‬أو‭ ‬المواطن‭ ‬معلومات‭ ‬بسيطة‭ ‬وسريعة‭ ‬تضيع‭ ‬في‭ ‬زحمة‭ ‬الـ‭ ‬“تريندات”،‭ ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬إلكتروني‭ ‬متكامل‭ ‬يحفظ‭ ‬المعلومات‭ ‬ويجعلها‭ ‬متاحة‭ ‬وسهلة‭ ‬الوصول‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭.‬

أما‭ ‬الأخطر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬إهمال‭ ‬المنصات‭ ‬الرسمية‭ ‬والاعتماد‭ ‬الكلي‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬يخلق‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالفجوة‭ ‬المعرفية‭.

كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يهدد‭ ‬مصداقية‭ ‬المؤسسات،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬القرارات‭ ‬والاستثمارات‭ ‬والبحوث،‭ ‬وحتى‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينشر‭ ‬رقمياً،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬تحديث‭ ‬المواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬أصبح‭ ‬مسؤولية‭ ‬مؤسسية‭ ‬ترتبط‭ ‬بالشفافية‭ ‬والكفاءة،‭ ‬وتعكس‭ ‬مدى‭ ‬الإدراك‭ ‬لأهمية‭ ‬المعلومة‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬أصول‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬فإن‭ ‬جمود‭ ‬البيانات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬للشائعات‭ ‬والأخبار‭ ‬المضللة‭.‬

لذلك،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضرورة‭ ‬العمل‭ ‬وبسرعة‭ ‬على‭ ‬سد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬الفعلي‭ ‬والواقع‭ ‬الرقمي‭ ‬للمؤسسات،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للمنصات‭ ‬والمواقع‭ ‬الرسمية،‭ ‬فمنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬قنوات‭ ‬للمشاركة‭ ‬والتفاعل‭ ‬اللحظي،‭ ‬لكن‭ ‬الموثوقية‭ ‬تبدأ‭ ‬وتنتهي‭ ‬من‭ ‬الموقع‭ ‬الرسمي،‭ ‬لقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لتتحرك‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬وتنفض‭ ‬الغبار‭ ‬عن‭ ‬مواقعها‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬المتاحف‭ ‬الرقمية‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬حية‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬الكفاءة‭ ‬والشفافية‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬أردني