الذكاء العاطفي واستدامة القرار

| د. نجيب الغربال

قد‭ ‬تمتلك‭ ‬المؤسسة‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة،‭ ‬وهيكلاً‭ ‬إدارياً‭ ‬متماسكاً،‭ ‬وخططاً‭ ‬تشغيلية‭ ‬محكمة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تتعثر‭ ‬قراراتها‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬مفصلية‭ ‬دون‭ ‬سبب‭ ‬تقني‭ ‬أو‭ ‬مالي‭ ‬ظاهر‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬المعرفة‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬التخطيط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عامل‭ ‬أقل‭ ‬وضوحاً‭ ‬وأكثر‭ ‬تأثيراً،‭ ‬وهو‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تُدار‭ ‬بها‭ ‬المشاعر،‭ ‬والتوتر،‭ ‬وردود‭ ‬الفعل‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬التنظيمية‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬غير‭ ‬المختبرة‭ ‬غالباً،‭ ‬يبدأ‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬بوصفه‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بسهولة،‭ ‬ولا‭ ‬يُدرج‭ ‬ضمن‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأداء‭ ‬التقليدية‭. ‬فبين‭ ‬القرارات‭ ‬اليومية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬الانفعالات‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬فرق‭ ‬العمل،‭ ‬تتشكل‭ ‬شبكة‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬التفاعلات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعزز‭ ‬استدامة‭ ‬القرار،‭ ‬أو‭ ‬تضعفه‭ ‬بصمت‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مهارة‭ ‬إضافية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬قدرة‭ ‬قيادية‭ ‬عملية‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المواقف‭ ‬حين‭ ‬يتصاعد‭ ‬التوتر‭.‬

ولا‭ ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬التخطيط‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬صياغة‭ ‬الرؤية،‭ ‬بل‭ ‬يتكشف‭ ‬تدريجياً‭ ‬مع‭ ‬احتكاك‭ ‬القرار‭ ‬بالواقع‭ ‬اليومي‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭. ‬ففي‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬المتقلبة،‭ ‬لا‭ ‬تُختبر‭ ‬القيادات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جودة‭ ‬الأفكار‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأخطاء،‭ ‬وإدارة‭ ‬الضغوط،‭ ‬ومعالجة‭ ‬الاختلافات‭ ‬داخل‭ ‬الفرق،‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬تماسك‭ ‬العمل‭ ‬ويمنع‭ ‬تحوّل‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬تنظيمي‭ ‬معطّل‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬تحديداً،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬القرارات‭ ‬الحاسمة‭ ‬نتاج‭ ‬تحليل‭ ‬عقلاني‭ ‬مجرد،‭ ‬بل‭ ‬حصيلة‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يفرضه‭ ‬الواقع،‭ ‬وما‭ ‬تستطيع‭ ‬القيادة‭ ‬احتواءه‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭.‬‭ ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬منسوب‭ ‬التوتر،‭ ‬تضاءلت‭ ‬مساحة‭ ‬التفكير‭ ‬الهادئ،‭ ‬وأصبح‭ ‬خطر‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬متسرعة‭ ‬أو‭ ‬دفاعية‭ ‬عاملاً‭ ‬يضعف‭ ‬جودة‭ ‬القرار‭ ‬الرشيد‭. ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬بوصفه‭ ‬الفاصل‭ ‬الصامت‭ ‬بين‭ ‬قيادة‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬الفرق‭ ‬واتساق‭ ‬المسار،‭ ‬وقيادة‭ ‬ترهق‭ ‬المؤسسة‭ ‬بتقلبات‭ ‬القرار‭ ‬وتناقض‭ ‬التوجيهات‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬على‭ ‬لحظة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعدها‭. ‬فطريقة‭ ‬شرح‭ ‬القرار،‭ ‬وتوقيته،‭ ‬وكيفية‭ ‬تبريره،‭ ‬كلها‭ ‬عناصر‭ ‬تحدد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬القرار‭ ‬سيُستقبل‭ ‬بوصفه‭ ‬توجيهاً‭ ‬واضحاً،‭ ‬أم‭ ‬عبئاً‭ ‬إضافياً‭ ‬على‭ ‬الفريق‭ ‬أثناء‭ ‬التنفيذ‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المساحة،‭ ‬يتحول‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬ضبط‭ ‬داخلي‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬قيادة،‭ ‬عبر‭ ‬أسلوب‭ ‬التواصل،‭ ‬واحتواء‭ ‬ردود‭ ‬الفعل،‭ ‬وتوضيح‭ ‬منطق‭ ‬القرار،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬ويبقي‭ ‬العمل‭ ‬متماسكاً‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬المواقف‭ ‬حساسية‭.‬

ومع‭ ‬تكرار‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬القيادي،‭ ‬يتجاوز‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬كونه‭ ‬سمة‭ ‬شخصية‭ ‬ليؤثر‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬التنظيمية‭ ‬نفسها‭. ‬فحين‭ ‬تمارس‭ ‬القيادات‭ ‬وعياً‭ ‬عاطفياً‭ ‬متسقاً،‭ ‬تتغير‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الضغوط‭ ‬والخلافات‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭. ‬وبدل‭ ‬أن‭ ‬تُدار‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬كردود‭ ‬فعل‭ ‬فردية،‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬أنماط‭ ‬سلوكية‭ ‬مشتركة،‭ ‬مثل‭ ‬الحوار‭ ‬الهادئ،‭ ‬والوضوح‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الخلافات،‭ ‬والقدرة‭ ‬الجماعية‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬التوتر‭ ‬دون‭ ‬تصعيد‭. ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬المؤسسية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مفهوماً‭ ‬معزولاً‭ ‬نظرياً،‭ ‬بل‭ ‬عنصراً‭ ‬عملياً‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬القرار،‭ ‬وانتقاله‭ ‬داخل‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬اتساقها‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬الفرق‭ ‬واستقرار‭ ‬الأداء‭ ‬اليومي‭.‬

وعلى‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط،‭ ‬ينعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تُدار‭ ‬بوعي‭ ‬عاطفي‭ ‬أعلى‭ ‬لا‭ ‬تتجنب‭ ‬الضغوط‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكنها‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬احتوائها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬داخلي‭ ‬أو‭ ‬استنزاف‭ ‬تنظيمي‭ ‬ينهك‭ ‬فرق‭ ‬العمل‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البيئات،‭ ‬تصبح‭ ‬القرارات‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للفهم‭ ‬والتطبيق،‭ ‬ويشعر‭ ‬العاملون‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاتساق‭ ‬والثقة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬العمل‭.‬

ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المشاريع‭ ‬الريادية،‭ ‬فإن‭ ‬أثره‭ ‬يظل‭ ‬محدوداً‭ ‬نسبياً‭ ‬بحكم‭ ‬صغر‭ ‬حجم‭ ‬المشروع‭ ‬وقرب‭ ‬القائد‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬العمل‭ ‬اليومية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬يتسع‭ ‬بوضوح‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأكبر‭ ‬حجماً،‭ ‬حيث‭ ‬تتعدد‭ ‬مستويات‭ ‬القرار‭ ‬وتتسع‭ ‬دوائر‭ ‬التفاعل‭. ‬فالقرار‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬الهرم‭ ‬التنظيمي‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬فرق‭ ‬التنفيذ‭ ‬بصيغته‭ ‬الأولى،‭ ‬بل‭ ‬يمر‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬التفسيرات‭ ‬والتأويلات‭. ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬اتساق‭ ‬الرسالة‭ ‬القيادية،‭ ‬ومنع‭ ‬تشوه‭ ‬المقاصد‭ ‬أو‭ ‬تضخيم‭ ‬التوتر‭ ‬أثناء‭ ‬انتقال‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬إداري‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬بما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬فجوة‭ ‬الفهم،‭ ‬ويعزز‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬القيادة،‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬والإدارة‭ ‬التشغيلية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬سبب‭ ‬لجوء‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬تعيين‭ ‬قيادات‭ ‬لا‭ ‬تنتمي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬التخصص‭ ‬الدقيق‭ ‬لمجال‭ ‬العمل،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تمتلك‭ ‬مستوى‭ ‬مرتفعاً‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭. ‬ففي‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬المعقدة،‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬التحديات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬الفنية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬الجهود،‭ ‬واحتواء‭ ‬الاختلافات،‭ ‬وضبط‭ ‬التوجيهات‭ ‬عبر‭ ‬مستويات‭ ‬متعددة‭. ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬أداة‭ ‬لتيسير‭ ‬العمل‭ ‬بكفاءة‭ ‬واقتدار،‭ ‬لا‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬التخصص،‭ ‬بل‭ ‬مكملاً‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬المواقع‭ ‬القيادية‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬عنصراً‭ ‬ثانوياً‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬مكوناً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لضمان‭ ‬جودة‭ ‬القرار‭ ‬واستدامة‭ ‬الأداء‭ ‬داخل‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬المعقدة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬المؤسسات‭ ‬هو‭ ‬امتلاك‭ ‬الخبرة‭ ‬أو‭ ‬التخصص‭ ‬الدقيق‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬الهياكل،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬قيادية‭ ‬تُحسن‭ ‬توجيه‭ ‬السلوك‭ ‬قبل‭ ‬توجيه‭ ‬الإجراءات‭. ‬

‭* ‬أكاديمي‭ ‬بحريني