سلطنة عمان وسياسة الاتزان والحكمة
| د. أحمد بن سالم باتميرا
أثبتت سلطنة عمان أنها دولة لها مصداقية وبصمات واضحة في سياستها الخارجية، دولة تاريخها وحضارتها مصدر فخر لكل من يتعاون معها، وهي لا تتدخل في شؤون الآخرين، وموثوقة في كل خطواتها، ليس لسبب، سوى أنها تلتزم بمجموعة من القيم والمبادئ التي لا تحيد عنها أبدا. لذا ما يتداوله البعض، أو يصرح به، لا يؤثر على سياسة الدولة، ولا يخيفها، لأن المصداقية والشفافية وعلاقاتها مع مختلف الدول شهادة عرفان وثوابت لا يمكن التلاعب بها لإضعاف مكانتها أو جرها لمستنقع أو استغلالها بصورة سلبية في أحداث أو حروب أو أزمة تكون لها تداعيات وخيمة على استقرارها أو استقرار المنطقة. فسلطنة عمان، بلد السلام والأمان، بلد عرف عنه الحياد والصدق والأمانة في تعامله مع الآخرين، أشقاء أو أصدقاء، أقرباء، ومن هنا باتت الدول كافة، تطمئن لوجودها في كل لجنة أو تسمع لرأيها أو تستأنس باقتراحها، فكم من قضية أو أزمة تم التعامل معها بكل حكمة ومصداقية. ومن هنا تحرص سلطنة عمان على هذه السياسة، رغم التحديات الجيوسياسية التي تواجهها، لأن مبادئها ثابتة لا تتزعزع، وتمارس دورها في استقرار العالم، وتجلت حكمة سلطنة عمان في كثير من القضايا والأزمات والإشكاليات، ورغبتها المشتركة في تجاوز تداعيات أية أزمة قدر الإمكان وفق رؤيتها وسياستها الحكيمة. فهذا الاستقرار نأمل أن يعم جميع الدول في المنطقة، فاستمرار التوتر والحرب يخلق عدم الاستقرار ويؤثر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية ويخلق مخاطر جيوسياسية، الأمر الذي يؤثر على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية سواء في مضيق هرمز أو باب المندب. فالظروف التي مرت بها المنطقة لا تزال تداعياتها حاضرة، والحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية مازالت مستمرة، لذا فإن الأمر يتطلب حراكا وتحركا جماعيا لإيقاف هذه الحرب التي وصلت تداعياتها وتأثيرها إلى اقتصاديات العديد من الدول، ومن هنا يمكن للتحرك الجماعي وقف هذا التصعيد؛ فالصورة لا تعد أكثر تعقيدا، فأهداف المتنازعين معروفة، والمشكلة والمعضلة في الصراع تكمن في حماية إسرائيل وفي عدم امتلاك إيران السلاح النووي، ومن هنا كان تحرك سلطنة عمان للوصول لاتفاق يرضي كل الجهات لولا الرفض الأميركي الإسرائيلي لهذا الاتفاق. مجمل القول إن أساس عدم الاستقرار في المنطقة ناشئ من إسرائيل، وعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفي ظل هذه السياسات والتطورات العسكرية المتقلبة في المنطقة، تبدو الصورة العامة أقرب لاستمرار الصراع من جهة أميركا وإسرائيل. فإنهاء الحرب يتطلب الاتفاق على شروط دون ضرر ولا ضرار لكل الأطراف، فهذا التباين الذي يشترطه الرئيس الأميركي ترامب، يجعل مسار التهدئة صعب المنال في الوقت الحالي، ومن هنا فاحتمالات التصعيد قائمة، والتحرك الخليجي الباكستاني يتطلب وقفة جادة لحلحلة الأمر، فالمنطقة بحاجة للاستقرار الدائم دون شروط تعجيزية أو قتال. واليوم أنظار العالم معلقة، وتنتظر رؤية الاتفاق النهائي الذي يتحدث عنه الرئيس الأميركي كل يوم، وفتح مضيق هرمز، وإعادة الحياة الاقتصادية لهذا الشريان المهم، فباب الهدنة والتفاوض لا يزال مفتوحا، وباكستان ودول المنطقة تتحرك لوقف التصعيد ووقف هذه الحرب نهائيا، ووقف الحرب على كل الجبهات يعني سلاما دائما واستقرارا في الشرق الأوسط، فالمنطقة لا تتحمل أكثر ممَّا تحملته في الأيام الماضية.. وستبقى سلطنة عمان على ثوابتها وسياستها لوقف الحرب مهما كلفها ذلك من انتقادات وهجوم سيبراني وإعلامي وآراء وتصريحات مختلقة من الآخرين.. حفظ الله دولنا الخليجية من كل مكروه... والله من وراء القصد.
*كاتب ومحلل سياسي عماني